ماذا نعرف عن دروب الحج التاريخية التي تدفق عبرها الحجاج "من كل فجّ عميق"؟

مصدر الصورة: Getty Images

"تخيل أن فوجاً من الحجاج خرج من الصين، فمر على بلاد الترك وما وراء النهر، ونزل إلى فارس ووصل إلى العراق، ومن هناك هبط إلى قلب الجزيرة العربية، أو ساحل الحجاز، قاصداً مدينة الرسول ومنها إلى مكة المكرمة".

هذه الرحلة التي تخيلها الأستاذ الدكتور عاطف معتمد، أستاذ الجغرافيا بجامعة القاهرة، لم تكن محض افتراض خيالي، بل كانت حقيقة تاريخية عاشها بعض الحجاج قبل نحو 1000 عام. وقد يمضي فيها المسافر أشهراً وقد تستغرق عاماً، بل وربما لا يعود الحاج إلى دياره البعيدة إلا بعد أعوام، كما فعل ابن جُبَير، الرحالة الأندلسي، وكذلك ابن بطوطة.

لم يكن الحج وقتها محض شعيرة دينية يتكبد المرء على دربها مشقةً وعناءً، بل كان فرصة كبرى لتبادل الأخبار والعلوم واللغات والخبرات، في عصور ما قبل وسائل الإعلام الحديثة، وكان الحج سبباً لنهضة معمارية شهدتها تلك الدروب، بل وكان فرصة عظمى للتجارة.

ويقول الدكتور معتمد لبي بي سي عربي إن الحج "في قرون ما قبل الحداثة، اخترع مفهوم العولمة الحضارية قبل قرون طويلة من اختراع مصطلح العولمة الجديد"، مضيفاً أن "عولمة الحج بناءة تبادلية، لا احتكارية ولا استعمارية، قرّبت مشارب الثقافة والوعي والفهم".

ملامح حضارية لم تكن هذه الدروب محض روافد يتدفق عبرها الحجيج إلى البقاع المقدسة "من كل فج عميق"، كما جاء في القرآن الكريم، بل كانت "شرايين تدفع فيها الحجيج إلى قلب العالم الإسلامي، ومصادر تسير عكس منابعها لتعود بالتراث الإسلامي إلى مواطن جديدة في عصور لم تكن الطباعة قد ظهرت بعد"، بحسب الدكتور سيد عبد المجيد بكر في كتابه "الملامح الجغرافية لدروب الحجيج".

هذه الدروب تحمل ملامح حضارية؛ حيث شُيدت على ضفاف مسيرتها مساجد واستراحات وقصور وقلاع وخانات وخزانات وآبار للماء، لتضحى شاهداً على الحضارة الإسلامية، دوّن عنها الرحالة والمؤرخون بأحرف من نور.

كما أتاحت دروب الحج لقاء علماء التفسير والحديث والفقه واللغة والأدب، عبر مسيرة الدروب في أمهات العواصم الإسلامية في دمشق والقدس والكوفة والبصرة وبغداد والقاهرة، وصولاً إلى مكة والمدينة.

ولقد تخللت مسيرة الحجيج ما يُعرف بـ (المنازل)، وهي محطات استراحة ذكر المؤرخون نزولهم فيها، وكانت فيها منافع كثيرة للحجاج ولساكني تلك البلدان، في أبهى صور التلاقي الإنساني والتبادل الحضاري.

كان الحجيج يتدفقون من أقصى بقاع الأرض، من الصين والهند شرقاً إلى المحيط الأطلسي وأوروبا، ويلتقي شملهم في النهاية بركب الحجيج في دروب تعد الدروب الأم للأقطار العربية والإسلامية، كان أبرزها في العراق والشام ومصر.

وحين يقترب الحجاج من الحرم المكي، تتحدد مسيرة القوافل بناء على خمسة مواقيت تمثل بوابات لمكة المكرمة. ومواقيت الحج هي الحدود الجغرافية التي حددها النبي محمد لإحرام الحجاج، والتي لا يجوز للحاج أو المعتمر تجاوزها إلا وقد ارتدى زِيّ الإحرام ونوى الشروع في النُسُك قبل دخوله مكة. وتشمل مختلف جهات الحرم للقادمين من خارجه وهي:

(ذو الحُليفة/أبيار علي) وهي ميقات أهل المدينة.

(ذات عرق) لأهل العراق.

(قرن المنازل/السيل الكبير) وهي ميقات أهل نجد.

(الجُحفة) أو (رابغ) لأهل مصر والشام.

(يَلَملم/السَعدية) وهي ميقات أهل اليمن.

1- درب زُبَيدة أطلق العرب على درب الحج من العراق درب "زُبيدة" نسبة إلى زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي دأبت على تطوير هذا الطريق من مدينة الكوفة إلى مكة، ووفرت المياه على طول هذا الدرب.

ولم يكن هذا الدرب جديداً على حجاج العراق؛ فقديماً قبل الإسلام، كان هناك حجاج يشدون الرحال إلى "البيت العتيق" منذ عهد النبي إبراهيم، وذكر المؤرخون طريق "الحيرة - مكة" والحِيرة هي مدينة على بعد 3 أميال حالياً من الكوفة التي نشأت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب خلال فتح العراق سنة 17 هـ/ 638 ميلادياً، لتكون عِوضاً عن الحيرة.

وقد ازدهر هذا الدرب وازدادت قوافل الحجاج من خلاله في القرن الثاني الهجري مع حكم الدولة العباسية التي اتخذت من بغداد عاصمة للدولة الإسلامية.

وذكرت مجلة الدارة السعودية التي تُعنى بالدراسات والبحث العلمي، أن المأمون بن هارون الرشيد، لما تولى الخلافة، أمر بزرع "درب زبيدة" فوجد أن طوله "712 ميلاً عربياً من بغداد إلى مكة"، أي نحو 1300 كيلومتر.

ويرجع الفضل إلى السيدة زبيدة في إنشاء عين لسقيا الحجيج عُرفت باسمها، منبعها بوادي نُعمان الذي يبعد عن مكة بنحو 30 كيلومتراً، في معلم حضاري خالد حتى يومنا هذا.

وقد استمر العمل بدرب زبيدة لنحو 13 قرناً مع بعض التغيير في مسار الطريق اختصاراً للمسافة أو تلافياً لعقبات، إلى أن انتهى العمل به مع النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، مع تغير وسائل السفر.

ويقدر الدكتور بكر في كتابه، أن عدد الحجاج الذين استخدموا هذا الطريق، يصل إلى عشرات الملايين، بناء على "أدنى تقدير للموكب الذي يسلك الطريق كل عام".

هذا الطريق يستغرق اليوم نحو ساعة وبضع دقائق بالطائرة، أو مسيرة يومين بالسيارة، أما المسافر بالجِمال فقد يستغرق أكثر من شهر.

ووصف الدكتور عاطف معتمد هذا الاختصار بـ "موت المسافة والجغرافيا"، قائلاً إن "القرن الأخير قدم لنا وفرة مضاعفة بمئة مرة في أعداد الحجاج؛ لكنه لم يعد يحمل للحجاج نفس الخبرات والمعارف وذات الأرواح المحلقة".

وأضاف أن ما وصفه بـ"حج الحداثة" سهّل على الناس أداء المناسك؛ "لكنه حرمهم من كثير من تجليات تلك الشعيرة التي التقوا فيها بأناس أتوا من كل فج عميق".

2- الدرب البصري كان هذا الدرب العراقي أقل شهرة من (درب زبيدة)، ينطلق من مدينة البصرة في جنوب العراق عبر محطات عديدة لاستراحة الحجاج إلى أن يصل إلى مدينة مكة.

ويقول الدكتور سامي عبد الله المغلوث، الخبير المختص في مجال الأطالس، إن هذا الدرب لم يلق الاهتمام الكافي بالمقارنة بدرب زبيدة، بسبب الحجيج القادمين من بلاد ما وراء النهر مثل أوزباكستان وكازاخستان وقرغيزستان، الذين كانوا يمرون إلى تركمانستان ثم خرسان في إيران ثم إلى العراق، إلى جانب الحجاج القادمين دمن ول القوقاز.

ويشرح المغلوث لبي بي سي، أن هؤلاء الحجاج جميعاً كانوا يفضلون الذهاب إلى بغداد لحضور مجالس العلم ودور المعرفة، فكان الطريق الأقرب إليهم هو "درب زبيدة" من الكوفة القريبة من العاصمة العراقية، بالمقارنة بالبصرة الواقعة في أقصى الجنوب العراقي والتي تبعد عن بغداد ضعفي المسافة من الكوفة.

3- طريق الحج الشامي كان هناك دربان أو رافدان من بلاد الشام؛ أحدهما يتجه إلى مدينة معان التي تقع اليوم في الأردن، ثم إلى تبوك فالمدينة المنورة. وكان هناك درب آخر من جنوب فلسطين التاريخية إلى العقبة، قبل أن يتحد مع درب الحج المصري، وكان يُعرف بـ (درب غزة).

وقد مر درب الشام بمراحل، أولها استمر حتى الحروب الصليبية التي احتلت مدينة الكَرَك في الأردن التي كانت محطة رئيسية لقوافل الحجاج، ما اضطرهم إلى تغيير مسارهم لينضموا إلى درب الحج العراقي، وذلك لمدة قرنين من الزمان، قبل أن يعود لسابق عهده.

ومع بداية القرن العشرين، شهد درب الحج الشامي تطوراً غير مسبوق، من خلال مد سكة الحديد للقطار حتى الحجاز، ليُختصر زمن السفر إلى نحو أربعة أيام بعد أن كان يستغرق أكثر من شهر. وجاءت محطات هذا الدرب مطابقة لمحطات الطريق البري لحجاج الشام.

وقد استغرق إنشاء هذا القطار ثماني سنوات، بأوامر من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، منذ سنة 1900، ليصل أول قطار إلى المدينة المنورة في شهر شعبان سنة 1326هـ/1908م، بحسب الدكتور بكر، قبل تدمير سكة حديد الحجاز خلال الحرب العالمية الأولى وتحوّلها إلى أطلال بعد أقل من 10 سنوات.

4- طريق الحج المصري يبدأ هذا الدرب من القاهرة أو (الفُسطاط)، العاصمة الإسلامية.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 10 ساعات
منذ ساعتين
منذ 10 ساعات
منذ ساعتين
منذ 6 ساعات
منذ ساعتين
قناة روسيا اليوم منذ 13 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 15 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 21 ساعة
التلفزيون العربي منذ 19 ساعة
بي بي سي عربي منذ 4 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 13 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 17 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 5 ساعات