بعد نحو 7 سنوات من الجفاف الذي أنهك القطاع الزراعي وقلّص أعداد الماشية بشكل حاد، يعيش المغرب هذا العام حالة انتعاشة زراعية لافتة بفضل سقوط أمطار غزيرة أعادت الأمل للمزارعين ومربي الأغنام، ولكنها لم تنعكس على مستويات أسعار الأضاحي رغم وفرة المعروض في الأسواق.
وكان محمد السادس ملك المغرب دعا العام الماضي المغاربة إلى عدم ذبح أضحية العيد، بسبب تضرر قطعان الماشية من الجفاف، بهدف إتاحة الفرصة لتعافيها وزيادة أعدادها.
وقدمت الدولة دعماً مالياً لمربي الماشية في إطار برنامج لإعادة تكوين القطيع، بلغت قيمته نحو 11 مليار درهم (1.2 مليار دولار تقريباً)، شمل إعانات مباشرة لتخفيف عبء تكاليف العلف، إضافة إلى إجراءات تنظيمية، من بينها تقييد ذبح إناث الأغنام للحفاظ على قدرتها التكاثرية وضمان تعافي القطيع بعد سنوات الجفاف.
المغرب يستثمر في تحلية المياه لتخفيف وطأة الجفاف وتلبية مطالب الزراعة
انخفاض عدد رؤوس الماشة والأغنام
تشير أرقام رسمية إلى انخفاض عدد رؤوس الماشية والأغنام في المغرب 38% في 2025 منذ آخر تعداد قبل تسع سنوات بسبب موجات الجفاف المتتالية.
وبالرغم من أن التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدها المغرب خاصة بين نوفمبر وفبراير لا تنعكس آثارها الإيجابية فوراً على القطاع الفلاحي عموماً وقطاع تربية الأغنام على وجه الخصوص، فإنها تبشر بالخير وتطمئن الفلاحين.
وأكدت الحكومة وتجار الماشية ومربو الأغنام توفر المعروض من الأغنام هذا العام، إلا أن الغلاء يبقى سيد الموقف بسبب المضاربة والاحتكار.
بينما استبشر بعض المغاربة خيراً بعودة شعيرة الذبح هذا العام، دعا آخرون إلى مقاطعة شراء الأضاحي احتجاجاً على ارتفاع الأسعار.
وبحسب وكالة رويترز، أطلق عدد من النشطاء دعوات لمقاطعة الأضاحي تحت وسم «خليه يبعبع»، معتبرين أن الغلاء يفوق قدرة كثير من الأسر.
وقالت ربة المنزل أمينة الزركي لرويترز «الأضاحي ليست في المتناول، بالنسبة لي لدي أسرة كبيرة، أرخص خروف ممكن أن يفي بالغرض يترواح سعره بين 5000 و6000 درهم (نحو 540 و645 دولارا) وهذا لا يناسب دخلي».
وأضافت «بالفعل استبشرنا خيراً بالتساقطات المطرية وعدم منع ذبح الأضاحي في عيد الأضحى هذا العام، لكن الشناقة (المضاربين) سيطروا على السوق، ونغصوا علينا فرحة العيد».
وقالت إنها تؤيد مقاطعة شراء الأضاحي «فلو تضامن الناس ولم يقبلوا الشراء بهذه الأسعار.. أكيد ستتراجع الأسعار لصالح البسطاء».
التضخم والجفاف يزيدان معاناة الأسر المغربية
تدابير تنظيمية واحترازية
أصدرت رئاسة الحكومة المغربية هذا الأسبوع بيانا أعلنت فيه عن «مجموعة من التدابير التنظيمية والاحترازية الرامية إلى ضمان شفافية المعاملات التجارية داخل أسواق الأضاحي، والحد من كافة أشكال المضاربة والاحتكار والممارسات الغير المشروعة».
وشملت هذه التدابير، حصر بيع الأضاحي في الأسواق المخصصة لها، أو الضيعات الفلاحية المختصة، وكذلك إلزام البائعين بالتصريح المسبق لدى السلطات المحلية بهوياتهم، وعدد الأضاحي المعروضة وكذا مصدرها قبل دخول الأسواق.
كما منعت الحكومة «شراء الأضاحي داخل الأسواق بغرض إعادة بيعها لما يشكله ذلك من إخلال بمبادئ المنافسة السليمة»، كما حظرت المزايدات المفتعلة وتخزين الأضاحي بهدف خلق الندرة ورفع السعر.
وأرفقت الحكومة هذه الإجراءات بعقوبات تشمل الحبس والغرامة المالية.
الجفاف يهدد الطفرة الاقتصادية بالمغرب.. فهل يصمد النموذج الزراعي؟
جولة داخل الأسواق
داخل سوق شعبية لبيع الأضاحي في تيفلت على بعد نحو 60 كيلومتراً شرقي العاصمة يسود جو صاخب ومشحون بالتوتر بين الباعة وبعض الزبائن الذين قدموا لشراء أضحية العيد.
وقال بائع قدم نفسه باسم أحمد مشيراً إلى كبش ومعزتين يعرضهما للبيع «إذا كانت الأسعار مرتفعة فلا دخل لي. لقد تكلفت الكثير في شراء العلف لهذا الكبش».
وأضاف «العلف بثمن 35 درهما للحزمة الواحدة، وهذا الخروف عمره نحو عام وربيته في عز أزمة الجفاف».
وأوضح أن الخروف الواحد يستهلك علفا بنحو 150 درهماً في الشهر أي 1800 درهم في العام.
وتابع «حتى الدعم الذي قدمته الدولة، رغم أهميته، لم يكن كافياً، إذ لم يتجاوز 400 درهم للرأس الواحد من الأغنام».
وقال عن الخروف الذي يبيعه بسعر 4500 درهم «هذا في المتناول وهو خروف ربيته في ضيعتي (مزرعتي) ولست من المضاربين لذلك لن أتنازل عن هذا السعر ولو اقتضي الأمر أن أعيده إلى الضيعة».
صورة لسيدتين أمام جزارة جنوب المغرب، 18 فبراير 2025
وفي الجهة المقابلة من السوق، علا ضجيج وصراخ بين بعض الباعة وشخص آخر اتهموه بأنه «شناق» يفسد عليهم السوق.
وذكر بائع آخر يدعى مصطفى الماحي «لقد اشترى هذا الشخص الخروف قبل قليل من فلاح زميل لنا، واختفى ثم عاد لما ذهب البائع إلى حال سبيله ليعيد عرضه للبيع بثمن مضاعف».
واتهمه الباعة بأنه «غشاش يسيئ إلى سمعة السوق ويدفع الزبائن إلى العزوف عن شراء الأضاحي».
وغير بعيد عن تيفلت، قرب قرية السهول على بعد نحو 45 كيلومتراً عن الرباط، توجد ضيعة (مزرعة) لبيع الأغنام، تبدو أكثر تنظيما ويقصدها زبائن من الطبقة المتوسطة إلى الميسورة.
وقال الحسين بن مولود صاحب الضيعة إن «الإقبال جيد مقارنة مع 2024» قبل وقف الذبح في 2025.
وأضاف لرويترز «هذا العام هناك انخفاض في الأسعار مقارنة مع 2024، لعدة أسباب منها الدعوة الملكية لعدم ذبح أضحية العيد مما أعاد للقطيع وفرته وعافيته، وكذلك بسبب الدعم الحكومي لمربي الماشية ناهيك عن الأمطار التي تهاطلت هذه السنة رغم أن أثرها لن ينعكس فورا على القطيع».
وأوضح أن الخراف المعروضة للبيع لا يقل عمرها عن عام، في حين لم تتجاوز فترة التساقطات المطرية الأربعة أو الخمسة أشهر الماضية.
وتابع «أبيع هذا العام وأنا مرتاح، حتى إذا لم أتمكن من بيع كل الأغنام، أنا مطمئن لأن الموسم الفلاحي جيد، وإذا بقيت أغنام بدون بيع لن أكون مضطراً لشراء العلف بسبب الجفاف كما في السابق».
وفي الجانب الآخر من الضيعة وقف محمد الذي قدم مع زوجته لاختيار أضحية العيد، وقال إنه يشتري دائماً من الضيعات «لأنها أنقى وسعرها معقول مقارنة مع السوق وأضمن».
وأضاف «في السابق كنت أشتري من السوق وفي إحدى المرات اشتريت خروفاً جرى تسمينه بمواد غير صالحة لزيادة وزنه، وما إن أخذته إلى البيت حتى نفق، وحين عدت لمواجهة البائع لم أجده».
وقال بن مولود إن الخروف الذي يبعيه في ضيعته بسعر 4000 درهم يباع في السوق «بسعر يتراوح بين 5000 أو 5500 بسبب المضاربين».
وأبدى معارضته لبيع الأغنام في الأسواق، قائلا «للأسف، السوق تجمع الصالح والطالح، وبعض الباعة لا علاقة لهم بالفلاحة أو الرعي، ولا يلتزمون بتطعيم أغنامهم، وأحيانا تكون الأغنام مجهولة المصدر».
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس


