هديل غبّون عمان- تعكس مؤشرات الحماية الاجتماعية خلال عام 2025 صورة مركبة لمنظومة تعمل تحت ضغط اجتماعي مرتفع ومستمر، حيث تتداخل فيها الخدمات الاجتماعية الأساسية مع تدخلات الحماية المباشرة، وتتحول الأرقام لمؤشرات دالة على مستوى الحاجة الملحة ومسؤولية الاستجابة الرسمية دون أن تقتصر على الحصيلة العددية.
وتعد قراءة هذه المؤشرات غير كافية لوصف حجم الخدمات المقدمة والاحتياجات، بل تتجاوز ذلك إلى فهم نمط العلاقة البنيوية بين المواطن والمؤسسات الرسمية المعنية بإنفاذ استراتيجية الحماية الاجتماعية وبسط مظلتها، وفي مقدمتها وزارة التنمية الاجتماعية وصندوق المعونة الوطنية، ونوعية الاستجابة بالعلاقة بتوفير خدمات وقائية كفيلة بإعمال الحق في الصحة مثل التأمين الصحي، وتدخلات علاجية مباشرة كالإعفاء الطبي، إلى جانب الدعم النقدي والرعاية الاجتماعية وحماية الفئات الأكثر هشاشة وعرضة للانتهاك.
في هذا السياق، تكشف التقارير الدورية على مدار العام الماضي، بحسب ما رصدته "الغد"، استمرار الطلب المرتفع على دراسات الحالة لغايات إعمال الحق بالتغطية الصحية للأسر الفقيرة، بما مجموعه قرابة 119 ألف دراسة خلال عام 2025 تلقتها وزارة التنمية الاجتماعية، وهي الحصيلة الأعلى بين جميع مؤشرات الحماية الاجتماعية التي شملتها البيانات.
ويعكس هذا المؤشر طبيعة "الانتفاع الأولي" وشروط الاستحقاق داخل منظومة الحماية الاجتماعية، حيث لا تقدم الخدمة كحق تلقائي ومباشر بقدر ما تمر عبر عملية تقييم اجتماعي تفصيلية تحدد مستوى الاستحقاق، ما يجعل منه آلية فرز واستهداف اجتماعي واسعة تحدد من يقع داخل شبكة الحماية ومن يبقى خارج مظلتها، خاصة وأن هذه الدراسات موجهة للأسر التي تعاني من الفقر.
كما يشير اتساع هذا الرقم إلى أن التأمين الصحي لم يعد خيارا ثانويا، بل يشكل ركيزة أساسية للحد الأدنى من الاستقرار والعدالة الاجتماعية، في حين يكشف أيضا أن العبء لا يرتبط بالتدخلات العاجلة فقط، بل بإدارة هذا التدفق الكبير من الطلبات، ما يجعل التأمين الصحي نقطة ارتكاز تشغيلية للنظام الحمائي بأكمله.
ولا تتوقف سردية الأرقام عند هذا الحد، إذ تنضم طلبات الإعفاء من نفقات العلاج إلى منظومة الحماية الصحية الاستجابية، حيث سجل العام الماضي 1764 طلبا خلال عام 2025 تلقتها وزارة التنمية الاجتماعية. وعلى الرغم من أن هذا الرقم أقل بكثير من طلبات التأمين الصحي، فإنه يكشف نمطًا مختلفًا في طبيعة التدخل الحمائي، إذ يندرج ضمن الحالات الفردية الطارئة التي تصل فيها الأسرة إلى عجز مباشر عن تغطية كلفة العلاج، ما يجعله "تدخلا إنقاذيا" أكثر من كونه خدمة هيكلية مستدامة.
كما أن انخفاض حجمه مقارنة بالتأمين الصحي يعكس أن النظام الصحي الاجتماعي لا يعتمد على الإعفاءات الفورية بوصفها أداة رئيسية، بل على بناء مظلة تغطية شاملة وأوسع عبر التأمين، بما يعني أن منظومة الحماية تتراوح بين التدخل بعد الأزمة والحماية الوقائية قبل وقوعها.
وفي وقت شهد فيه العام الماضي إقرار الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية المحدثة للأعوام 2025 2033، تزامن ذلك مع صدور حزمة من التشريعات والأنظمة والتعليمات التي نظمت قطاعات متعددة لتعزيز كفاءة المنظومة، من بينها نظام التهيئة والرعاية اللاحقة لمنتفعي وخريجي دور الإيواء لضمان دمجهم المجتمعي، وتعليمات إجراءات الحصول على رخصة مزاولة مهنة العمل الاجتماعي لسنة 2025، وتعليمات متطلبات تجديد ترخيص مزاولة المهنة نفسها، إضافة إلى تعليمات اعتماد الجهات التدريبية والبرامج والمدربين في مجال العمل الاجتماعي. ويعكس هذا المسار تحولًا واضحًا نحو مأسسة وتنظيم المهنة التي بقيت لعقود خارج إطار تنظيمي دقيق، بما يشير إلى أن منظومة الحماية الاجتماعية قطعت شوطًا مهمًا في التحديث التشريعي وضبط جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتكشف البيانات المتعلقة بالأحداث والعدالة الجنائية عن استفادة 25 حدثًا فقط من خدمات المساعدة القانونية والعون القضائي خلال عام 2025، وهو رقم محدود لكنه يحمل دلالة حقوقية نوعية أكثر من كونه رقما كميا، إذ يعكس طبيعة انتقائية لهذه الخدمة التي لا تُفعّل إلا في الحالات التي تتطلب تدخلًا قانونيا مباشرا، ما لم يجعلها للآن خدمة يومية واسعة الانتشار. كما يشير هذا المؤشر إلى أن البعد الحقوقي والقانوني بالحماية الاجتماعية ما يزال يتطلب تطويرًا ليتواءم مع البعدين الخدمي والمالي، ما يترك.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
