يتمثل التضليل العلمي في صورته الكلاسيكية في تزوير بيانات المختبرات وسرقة الأبحاث، وهي أزمة قابلة للتكرار، وثمة وجه آخر للتضليل لا يقل خطورة وأشد فتكا لأنه يصل إلى الملايين من الجمهور في وقت قياسي، وهو التضليل الطبي الذي يجد في الإعلام منصة ومكبرا للصوت.
وتمثل قضية الدكتور ضياء الدين العوضي رحمه الله ونظامه المعروف بـ"الطيبات" نموذجا حيا وموثقا لهذه الظاهرة، فهي ليست مجرد قصة طبيب ادعى ما لا يعلم فقد أصبح الآن في رحمة الله، والنقد الحالي للبرنامج وليس للراحل؛ بل قصة منظومة متكاملة من التضليل، اشترك فيها منصات إعلامية واسعة الانتشار، وغياب تام للتحقق، وضحايا حقيقيون.
يقوم النظام العلاجي "للطيبات"، على ثلاثة محاور رئيسية:
1- تقسيم الطعام إلى "طيب" و"خبيث" وفق تصنيف شخصي لا يستند إلى أدلة علمية معتمدة.
2- الدعوة إلى التخلي عن الأدوية الحيوية ولا سيما الكورتيزون ومثبطات المناعة والإنسولين لمن يستطيع، مستعيضا عنها بالصيام والنظام الغذائي.
3- الإيمان بقدرة الجسد على الشفاء الذاتي كمبدأ علاجي مطلق مما يجعل الطب التقليدي عائقا لا معينا.
يمثل نظام "الطيبات" رأيا طبيا مخالفا للسائد، ووصفة كارثية في حق مرضى يعانون من أمراض مزمنة تعتمد علاجاتها على التوازن الدقيق للأدوية والمتابعة الدورية، ولها امتداد عالمي من الادعاء الزائف، فما قدمه العوضي ليس ظاهرة مصرية خالصة، وإنما جزء من نمط إعلامي عالمي يعطي الأولوية للإثارة والمشاهدات على حساب الدقة العلمية والمختبرات.
في الولايات المتحدة صنعت الإعلامية أوبرا وينفري ظاهرة "دكتور أوز" (Mehmet Oz)، وهو جراح قلب من أصول تركية يحمل الجنسية الأمريكية وتحول إلى نجم تلفزيوني، وفند فريق من الباحثين ظاهرة الدكتور "أوز" في المجلة الطبية البريطانية BMJ عام 2014 ضمن دراسة وجدوا فيها أن الأدلة المتاحة لا تدعم سوى 46% من توصياته الصحية، وتناقض 15% منها، فيما لم يعثر على أي دليل لـ39% منها.
الجامع الحقيقي لهذا النوع من الظواهر وهو مناقشة قضايا طبية خلافية ما يمكن تسميته بـ"Just Asking Questions" أنا أسأل فقط، قدمه إعلاميون مثل محمود سعد، أوبرا وينفري وغيرهم، يدعون أنهم يطرحون الأسئلة ويتبرؤون من مسؤولية ما تصنعه أسئلتهم من أثر، غير أن هذا التبرؤ من النتائج يصطدم بحقيقة موضوعية وهي أن الكاميرا تمنح الشرعية، والاستضافة ترسخ المصداقية، والتكرار يحول الادعاء إلى حقيقة عند المشاهدين.
لذا وعند استضافه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة مكة
