الحج ليس رحلة عابرة إلى بقعة مقدسة، ولا انتقالا جسديا من وطن إلى وطن، بل هو ارتحال عميق من ضيق النفس إلى سعة الإيمان، ومن فوضى الدنيا إلى نظام الروح؛ وغدا يوم التروية، ومنه تبدأ رحلة المشاهد المهيبة، حيث تتوحد الوجوه واللغات والملابس، ويذوب الفارق بين غني وفقير، وقوي وضعيف، ليقف الجميع تحت نداء واحد هو "لبيك اللهم لبيك".
عظمة الحج لا تكمن في لبس الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة، وغير ذلك من واجبات وسنن، بل في المعاني التي يعيد بها الإنسان تشكيل قلبه وعقله وضميره وإدراكه؛ ومن عاش في مكة المكرمة والمدينة المنورة، يدرك أن هذه الرحلة ليست انتقالا بين أماكن فقط، بل بين معنيين عظيمين؛ مكة التي تعلم الإنسان التجرد، والمدينة التي تعلمه السكينة؛ ففي مكة يشعر الإنسان بهيبة التوحيد والبدايات الأولى؛ حيث البيت العتيق، ودعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام، ومشهد الناس وهم يأتون من كل فج عميق؛ وفي المدينة يقترب القلب من معنى الرحمة النبوية؛ حيث تهدأ النفس، ويلين الداخل، ويتذكر الإنسان أن الدين ليس شعائر تؤدى فقط، بل خلق ورحمة وأثر؛ فهناك قرب حجرات النبي صلى الله عليه وسلم، لا يحتاج المرء إلى كثير كلام، ويكفي أن يجلس قليلا حتى يشعر أن شيئا في داخله يعيد ترتيب نفسه بهدوء؛ كأن القلب، بعد كل هذا الركض، وجد مكانا لا يطالبه بأن يتظاهر إلا بالصدق والسكينة.
ليس غريبا أن يرتبط الحج في الوعي الإسلامي بمعاني الوحدة والتجرد من العصبيات الضيقة؛ فالحاج حين يخلع ثيابه المعتادة ويلبس الإحرام، إنما يخلع معه أوهام التفوق الشكلي وغرور الدنيا، ليتذكر أن الناس سواسية، وأن قيمة الإنسان ليست بما.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة مكة
