في منظومة الاستثمار الحديثة التي تتسم بالسرعة والتعقيد، تبرز شركات التكنولوجيا المالية (الفنتك)، وصناديق الملكية الخاصة (Private Equity)، ورأس المال الجريء (Venture Capital) كمحركات رئيسية للابتكار والنمو. إلا أن هذه البيئة الديناميكية، التي ترتكز على تقييمات مستقبلية وأصول غير ملموسة، تولد بطبيعتها نزاعات فريدة ومعقدة عند مراحل التقييم، والجولات الاستثمارية، وعمليات التخارج. هنا، يظهر التحكيم التجاري كأداة قانونية متخصصة وحاسمة، توفر مسارا فعالا لحل هذه الخلافات بعيدا عن ساحات القضاء التقليدية، بما يتماشى مع الطبيعة التجارية والفنية لهذه الاستثمارات.
أولا: معضلة التقييم في عالم الأصول غير الملموسة
تنشأ النزاعات بشكل متكرر حول تقييم الشركات الناشئة في قطاع الفنتك. فخلافا للشركات التقليدية ذات الأصول المادية الواضحة، تعتمد قيمة شركات الفنتك على عوامل غير ملموسة كالملكية الفكرية، والخوارزميات، وقواعد المستخدمين، وإمكانيات النمو المستقبلية. هذا الأمر يفتح الباب أمام خلافات جوهرية بين المؤسسين والمستثمرين أثناء الجولات الاستثمارية. قد يتمسك المستثمرون بتطبيق معايير تقييم متحفظة مثل مضاعفات الإيرادات (Revenue Multiples) أو التدفقات النقدية المخصومة (DCF)، بينما يجادل المؤسسون بأن هذه الطرق التقليدية لا تعكس القيمة الحقيقية للابتكار والقدرة على إحداث تغيير جذري في السوق. وتتفاقم هذه النزاعات عند تفعيل شروط حماية المستثمرين مثل بنود منع التخفيض (Anti-Dilution Clauses) أو حقوق التصفية التفضيلية (Liquidation Preferences)، والتي قد تؤدي إلى تآكل كبير في حصص المؤسسين عند تقييم الشركة بقيمة أدنى في جولة لاحقة (Down-Round).
التحكيم يقدم حلا لهذه المعضلة عبر إتاحة الفرصة لتعيين محكمين من ذوي الخبرة الفنية والمالية العميقة، القادرين على فهم الفروق الدقيقة لنماذج أعمال الفنتك وتطبيق منهجيات تقييم مركبة مثل إرشادات التقييم الدولية للملكية الخاصة ورأس المال الجريء (IPEV Guidelines). وقد أكدت دراسة حديثة صادرة عن Burford Capital في فبراير 2026 أن نزاعات التقييم لم تعد تقتصر على الأرقام، بل امتدت لتشمل الخلاف حول مدى انطباق هذه الإرشادات أصلا على النزاع، مما يعني أن الهيئة التحكيمية تحتاج إلى كفاءة فنية استثنائية لا تتوفر في القضاء العادي.
ثانيا: تحديات التخارج، بين المصالح المتباينة والتوقيت الحاسم
تعتبر مرحلة التخارج (Exit) الهدف الأسمى لمعظم استثمارات الملكية الخاصة ورأس المال الجريء، لكنها أيضا من أكثر المراحل إثارة للنزاعات. سواء كان التخارج عبر طرح عام أولي (IPO)، أو بيع استراتيجي لشركة أخرى (Trade Sale)، أو بيع ثانوي لمستثمر آخر (Secondary Sale)، فإن تضارب المصالح يكون في ذروته. من أبرز نقاط الخلاف "شروط الدفعات اللاحقة" (Earn-out Clauses) في صفقات الاندماج والاستحواذ، حيث يربط جزء من سعر الشراء بأداء الشركة المستقبلي. وغالبا ما تنشب خلافات حول ما إذا كانت الشركة المشترية قد بذلت جهودا كافية لتحقيق الأهداف المتفق عليها، أو حول تفسير المقاييس المحاسبية المستخدمة لقياس الأداء. وقد رصدت Freshfields في تقريرها لعام 2025 تراكما ملحوظا في عمليات التخارج الفاشلة من صفقات أبرمت في السنوات الأخيرة، مما يدفع المزيد من المستثمرين نحو التحكيم لحسم هذه الخلافات.
خليجيا، تمثل صفقة استحواذ Uber على Careem مقابل 3.1 مليارات دولار نموذجا تعليميا بامتياز؛ إذ تضمنت تعقيدات هائلة تتعلق بتقييم الحصص وحقوق مختلف فئات المستثمرين، ولاحقا بيع حصة 50% من تطبيق Careem Super App إلى شركة e& الإماراتية مقابل 400 مليون دولار عام 2023. هذا النوع من الصفقات متعددة المراحل والأطراف يحمل في طياته بذور نزاعات متعددة، تتطلب حلا سريعا وسريا للحفاظ على قيمة الصفقة. وعلى المستوى العالمي، يقدم نزاع Carlyle مع PNB Housing Finance في الهند عام 2021 مثالا آخر، حيث أوقف التدخل التنظيمي عملية التخارج المخطط لها، مما أثار تساؤلات جوهرية حول حقوق المستثمرين وآليات الإنفاذ.
في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة مكة
