أعاد إعلان إطلاق تشكيل بحري جديد في اليمن تسليط الضوء على التحولات العسكرية والأمنية المتسارعة في واحد من أخطر الممرات المائية في العالم، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واتساع دائرة التهديدات التي تواجه حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وجاء الإعلان عبر عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق محمد صالح، الذي كشف يوم الأربعاء الماضي عن دخول عدد من الزوارق الحديثة إلى الخدمة، بالتزامن مع تدشين تشكيل بحري جديد يمتد نطاق عملياته من مضيق باب المندب وصولًا إلى جزيرة زُقر، مرورًا بالسواحل الغربية المطلة على البحر الأحمر، خصوصًا في محافظتي تعز والحديدة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق بيئة أمنية شديدة التعقيد يشهدها البحر الأحمر، نتيجة تصاعد الهجمات والتهديدات الحوثية ضد السفن التجارية، إلى جانب تنامي أنشطة التهريب والجريمة المنظمة، وهو ما دفع قوى إقليمية ودولية إلى تعزيز حضورها العسكري في المنطقة بشكل متزايد.
وفي أول تعليق رسمي، اعتبر المتحدث باسم المقاومة الوطنية العميد صادق دويد أن التشكيل البحري الجديد يمثل امتدادًا للنجاحات التي حققتها القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية خلال الفترة الماضية، مؤكدًا أن رفد بحرية المقاومة الوطنية بتشكيل جديد يعزز حضور الدولة اليمنية إقليميًا ودوليًا، ويقلص فرص تهريب الأسلحة والممنوعات إلى ميليشيا الإرهاب ، في إشارة إلى الحوثيين.
ورغم أهمية الخطوة، يرى خبراء ومراقبون أن التحديات الأمنية في البحر الأحمر لا تزال معقدة ومتعددة الأبعاد، في ظل استمرار احتمالات الهجمات البحرية وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، إضافة إلى نشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة.
وفي هذا السياق، وصف الخبير في الشؤون العسكرية وتكنولوجيا النقل البحري الدكتور علي الذهب التشكيل الجديد بأنه نواة لقوة بحرية أوسع ضمن القوات البحرية التابعة لوزارة الدفاع اليمنية، موضحًا أنه سيعمل بالتوازي مع قوات خفر السواحل لتأمين المياه الإقليمية.
وأضاف الذهب أن هذه القوة الجديدة ستتولى مهامًا قتالية وأمنية في آن واحد، تشمل حماية الحدود البحرية وتعزيز الأمن في المياه الإقليمية الممتدة حتى 12 ميلًا بحريًا قبالة السواحل اليمنية، مشيرًا إلى أن الخطوة تأتي ضمن عملية إعادة تنظيم القوات العسكرية وتوزيع أدوارها البرية والبحرية في ظل الظروف الأمنية المعقدة المرتبطة بتهديدات الحوثيين للملاحة الدولية في البحر الأحمر.
ولفت إلى أن التشكيل الجديد يمكن أن يسهم في تعزيز تأمين المياه الإقليمية، مع إمكانية توسيع نطاق مهامه ليشمل نطاقات بحرية أوسع تصل إلى المياه المتاخمة، إلا أنه أكد في المقابل أن تنفيذ عمليات أكثر اتساعًا لمواجهة التهديدات الحوثية ومكافحة الجريمة المنظمة وعمليات التهريب والقرصنة في أعالي البحار يتطلب قدرات بحرية أكبر وسفنًا أكثر تطورًا قادرة على التعامل مع التحديات المعقدة.
ويرى مراقبون أن الإعلان عن هذا التشكيل لا يقتصر على البعد العسكري فحسب، بل يحمل رسائل سياسية واضحة تتجاوز استحداث قوة بحرية جديدة، باتجاه إعادة تثبيت الحضور اليمني داخل معادلة الأمن في البحر الأحمر إلى جانب الحلفاء الإقليميين والدوليين.
وفي هذا الإطار، قال الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية عاصم المجاهد إن الإعلان يحمل دلالات عسكرية وسياسية مهمة، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها ملف البحر الأحمر، مشيرًا إلى أن القوات اليمنية تسعى عبر هذه الخطوة إلى إعادة تموضعها في هذا الملف بعد سنوات من محاولات ميليشيا الحوثي فرض نفسها كطرف مؤثر في أمن الملاحة الدولية.
وأضاف المجاهد، في حديثه أن أي حضور بحري جديد للقوات اليمنية يُفهم باعتباره محاولة لاستعادة جزء من المبادرة وإعادة بناء النفوذ على امتداد الساحل الغربي وباب المندب بدلًا من ترك فراغ أمني يتسع لصالح الجماعات المسلحة.
وأكد أن نجاح أي تشكيل بحري لن يُقاس فقط بعدد القطع البحرية، بل بمدى التكامل بينه وبين خفر السواحل والاستخبارات البحرية والدعم الدولي، لافتًا إلى أن حماية باب المندب لم تعد شأنًا محليًا، بل أصبحت جزءًا من منظومة الأمن الدولي المرتبطة بالطاقة والتجارة العالمية.
وختم المجاهد بالإشارة إلى أن الإعلان يحمل أيضًا رسالة سياسية مفادها أن اليمن ليس خارج معادلة البحر الأحمر ، وأن أمن الممرات المائية لا يمكن أن يظل مرهونًا بالقوى الخارجية أو خاضعًا لسيطرة الجماعات المسلحة كأمر واقع.
هذا المحتوى مقدم من نافذة اليمن
