بقلم: البروفسور حسن البرماوي*
في زمنٍ تتبدل فيه الخرائط وتسقط فيه الدول، يقف الأردن في 25 أيار 2026 ليعلن للعالم معادلة عمرها 80 عامًا: الدول لا تُقاس بمساحتها، بل بمناعتها. ولا تُقاس بثرواتها، بل بحكمة قيادتها وصلابة شعبها. لمن لا يعرف الأردن: اقرأوا الجغرافيا بعيون التاريخ. وضعونا على خريطة ممزقة. قالوا: دولة حبيسة، بلا نفط، بلا ماء، محاطة بالنار من كل الجهات. راهنوا أننا "دولة مؤقتة".
فماذا فعلنا؟ حوّلنا الجغرافيا من لعنة إلى رسالة. جعلنا من غياب الموارد حافزًا لبناء المورد الأهم: الإنسان الأردني. من رحم القلة بنينا جيشًا قويًا وعلميًا وذو كفاءة وخبرة ميدانية قلّ مثلها في الجيوش، وجهازًا دبلوماسيًا، ومجتمعًا متماسكًا. صارت "قلة الموارد" هي سر كثرة الحكمة. ثمانون عامًا والراية الهاشمية تُعلّم العالم أن الحُكم ليس مغامرة، بل مسؤولية. الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين قال للعالم عام 1946: "إن استقلالنا لا يعني أن نعيش بمعزل عن العالم، بل أن نكون جزءًا فاعلًا فيه، أحرارًا في قرارنا، أسيادًا على أرضنا".
فكان الاستقلال دخولًا إلى التاريخ، لا خروج محتل فقط. الملك طلال بن عبدالله وضع الدستور ليقول: "الدستور هو عقد الشعب مع دولته، والدولة التي يحكمها القانون لا تزول"، فبُنيت الدولة على سيادة القانون قبل قوة السلاح. الملك الحسين الباني رحمه الله علّم الدنيا أن الزعيم الحقيقي هو من يحمي شعبه من الحرب، ويخوضها فقط دفاعًا عن الكرامة، وكان يردد: "الإنسان أغلى ما نملك"، فبنى المدارس قبل القصور، وصدّر المعلمين قبل النفط. واليوم جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين حفظه الله يواجه القرن الـ21 بثلاثية الحكم الرشيد: التحديث دون فوضى، الانفتاح دون ذوبان، والثبات دون جمود، مؤكدًا دومًا: "الأردن القوي هو الأردن الذي يصنع مستقبله بيده، لا ينتظر أن يصنعه له الآخرون". أيها العالم: هل رأيتم دولة تُحاصر من كل الجهات، فتفتح أبوابها للاجئين؟ هل رأيتم ملكًا يقود طائرته بنفسه لإغاثة منكوب؟ هذه هي الشرعية الهاشمية، لا تُستمد من النفط، بل من المواقف. نخاطب مراكز الأبحاث العالمية: تعالوا ادرسوا "الحالة الأردنية".
أحد عشر مليونًا فقط، هذا كل ما نملك من عدد، لكننا بهذا "القليل" كتبنا المعادلة المستحيلة: استقبلنا ملايين اللاجئين فزاد تماسكنا، حاصرتنا شُحّة الموارد فصدّرنا العقول، ضاقت بنا الجغرافيا فاتسع أثرنا. نحن الأمة التي حوّلت "القلة" إلى "منعة"، و"المحنة" إلى "منحة".
الجندي الأردني لا يحرس حدودًا فقط، بل يحرس سيادة قرار، وكرامة وطن، وهوية لا تُشترى. المعلم الأردني لا يدرّس منهاجًا، بل يزرع انتماء. المرأة الأردنية لا تطالب بحقوق، بل تصنعها بالعلم والعمل.
ولأن الأمن أساس البناء، كان للأردن مدرسته الخاصة في حماية الأوطان. هنا بلد الأمن والأمان بالفعل لا بالشعار. الأجهزة الأمنية الأردنية، وفي مقدمتها الجيش العربي المصطفوي، صاحب التاريخ المُشرّف والدور القتالي والإنساني الذي يشهد له العالم، إلى جانب المخابرات والأمن العام وقوات الدرك، لم تكن يومًا أداة قمع، بل كانت صمام الأمان للمجتمع والمنطقة. عقيدتها تقوم على شرف الجندية وحماية الإنسان. فالجيش العربي الأردني لم يكتفِ بحماية الحدود، بل صار مدرسة في الانضباط والاحتراف العسكري، ومستواه الرفيع جعله مقصدًا لتدريب جيوش العالم، وسجلّه في حفظ السلام الدولي شاهد على كفاءته التي قلّ مثلها. بفضله نام الأردني قرير العين وحدوده الأطول في المنطقة تشتعل.
هذا الأمن لم نحتكره لأنفسنا. عندما جاع أهلنا في فلسطين وقُصف أهلنا في قطاع غزة، كانت المستشفيات الميدانية الأردنية أول من يصل، وكانت.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية
