بدأت ملامح التحول الاقتصادي في العراق تظهر بشكل أوضح مع الزيارة الأخيرة التي أجراها رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى وزارة المالية، في خطوة قرأها مراقبون على أنها تتجاوز الإطار الإداري التقليدي، باتجاه رسم سياسة مالية جديدة تقوم على إدارة الاقتصاد بعقلية مصرفية واستثمارية، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الإنفاق الحكومي وفق النموذج الريعي المعتمد منذ سنوات.
وخلال الزيارة، شدد الزيدي على ضرورة الالتزام بمواعيد صرف الرواتب ومستحقات الرعاية الاجتماعية، بالتزامن مع تحريك عجلة التمويل للقطاع الخاص عبر تسديد مستحقات المقاولين والفلاحين والمستثمرين، في محاولة لتنشيط السوق المحلية وتحريك الدورة الاقتصادية التي ظلت لسنوات مرتبطة بشكل شبه كامل بإنفاق الدولة وعوائد النفط.
ويرى متابعون أن عبارة الزيدي التي قال فيها إن الاقتصاد يجب أن يدير الدولة وليس العكس ، تمثل مؤشراً واضحاً على تبني الحكومة الجديدة رؤية مختلفة تقوم على تقليل هيمنة الدولة على النشاط الاقتصادي، وتحويل المؤسسات الحكومية من جهات إنفاق واستهلاك إلى مؤسسات تنظيم وإدارة وتحفيز للاستثمار والإنتاج.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية متراكمة، أبرزها تضخم الجهاز الحكومي، وارتفاع معدلات البطالة المقنعة، واستمرار اعتماد الموازنة العامة على الإيرادات النفطية، مقابل ضعف مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى في الناتج المحلي.
وبهذا السياق، قال الخبير الاقتصادي عبدالسلام حسن إن الكلام الذي طرحه رئيس الوزراء يمثل توجهاً صحيحاً إذا ما جرى تطبيقه فعلياً داخل مؤسسات الدولة .
وأوضح حسن لـ عراق أوبزيرفر أن وزارة المالية يفترض أن تعمل بعقلية فنية متطورة هدفها تعظيم الإيرادات وتنمية الموارد المالية بصيغ استثمارية حقيقية تنعكس على الدولة والمواطن، وليس الاكتفاء بجباية الرسوم وفرض الأعباء على السوق والمستهلك .
وأضاف أن هناك موارد مالية كبيرة لا تصل فعلياً إلى وزارة المالية بسبب تعدد مراكز النفوذ وضعف السيطرة على بعض مفاصل الجباية والإيرادات ، مشيراً إلى أن إصلاح هذا الخلل يمثل خطوة أساسية في أي مشروع اقتصادي حقيقي تسعى الحكومة إلى تنفيذه خلال المرحلة المقبلة .
وأشار حسن إلى أن الكثير من الدوائر والمؤسسات ما زالت تعمل بعقلية الجباية التقليدية التي تؤدي إلى إنهاك المواطن وإضعاف حركة السوق ، مؤكداً أن أي إصلاح اقتصادي ناجح يحتاج إلى توحيد الإيرادات والرقابة المالية ضمن إطار مؤسسات الدولة، بعيداً عن التعقيدات والازدواجية التي أرهقت الاقتصاد العراقي خلال السنوات الماضية .
ويرى مختصون أن التحرك الحكومي الجديد ينسجم مع محاولات إعادة بناء العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، عبر منح المستثمرين والمقاولين مساحة أوسع للعمل، وتوفير السيولة اللازمة لتحريك المشاريع المتوقفة، بدلاً من إبقاء السوق معتمدة بالكامل على التوظيف الحكومي والإنفاق التشغيلي.
كما يعتقد خبراء أن نجاح هذه الرؤية سيبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات حقيقية داخل النظام الإداري والمالي، خصوصاً في ملفات الجباية والكمارك والمنافذ الحدودية، فضلاً عن تحقيق تناغم فعلي بين وزارة المالية والبنك المركزي للسيطرة على السوق الموازية والحفاظ على استقرار العملة.
ومع تصاعد الحديث عن رؤية العراق 2035 ، تبدو الحكومة الجديدة أمام اختبار اقتصادي معقد يتطلب الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، في وقت يترقب فيه الشارع العراقي ما إذا كانت العقلية المصرفية التي يتحدث بها الزيدي ستنجح فعلاً في تفكيك إرث الاقتصاد الريعي المزمن، وفتح الباب أمام نموذج اقتصادي مختلف في إدارة الدولة العراقية.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر
