ثمةَ لحظاتٌ في عمر الشعوب تكون فيها فرصة التأسيس الصحيح أثمن من الانتظار، وأغلى من التسرّع. ونحن اليوم في الجنوب اليمني نقف أمام واحدة من تلك اللحظات التي لا تطرق الأبواب مرتين؛ لحظة الإعداد لمجالس التنسيق التمهيدية واستحقاقات مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي. وما قيمة هذه اللحظة إن لم نحسن قراءتها، ونُجيد بناءها، ونتوافق على صون مخرجاتها؟ إن السياسة الحقيقية هي تلك التي «تُأنسن» الإجراءات، وتحوّل الشعارات الكبرى إلى مشاريع ملموسة تضمن للمواطن أمنه، لقمة عيشه، وحقه في الشراكة وصناعة القرار دون إقصاء أو تهميش. ومن هذا المنطلق الواعي والمسؤول، تبرز اليوم ضرورة استحقاقات مؤتمر الحوار الجنوبي، وتتجلى أهمية «مجالس التنسيق» في المحافظات الجنوبية كأداة تنفيذية وتطبيقية لا غنى عنها لترتيب البيت الداخلي، إذ إنه لا يمكن لبناء الاستقرار أن يتحقق بآلات جامدة، أو بنصوص سياسية معزولة عن نبض الشارع وحاجات الإنسان.
لا يسعني هنا إلا أن أُقدّم خالص التقدير لمحافظة حضرموت التي أطلقت، برؤية ناضجة ووعي مؤسسي متقدّم، أولى خطوات التهيؤ لهذا الاستحقاق الجنوبي المصيري؛ إذ بقيادة محافظ المحافظة باشر رجالات المحافظة بتشكيل لجنة تحضيرية تجمع تحت سقفٍ واحد جميع المكوّنات السياسية ومنظمات المجتمع المدني وممثلي الأطياف الاجتماعية المتنوعة بإشراف مباشر من محافظ المحافظة. هذا النموذج ليس مجرد خطوة إجرائية أو حراك إداري ترفي، بل هو رسالة سياسية واضحة وجلية وتجسيد حي لوعي جمعي أدرك أن الاستقرار والتنمية لا يمكن أن يُصنعا بعين واحدة، أو بقرار تستأثر به جهة بمفردها، فالجنوب اليوم يُريد حوارًا أصيلًا شاملًا، لا استعراضًا شكليًا.
قد يسأل البعض، لماذا مجالس التنسيق في هذا التوقيت بالذات؟ ولن تكون مبالغةً إن قلنا إن مجالس التنسيق ليست رفاهية تنظيمية، بل هي الشرط الموضوعي لأي حوار ذي معنى، وهي الضرورة الملحة قبل الرغبة. فالحوار الحقيقي يحتاج أرضية تحضيرية مؤسسية تضمن أن كل صوت في الجنوب يجد له مكانًا في المشاورات، وحضورًا فاعلًا في الصياغة، ومشاركةً حقيقية في القرار. إن الدواعي والمبررات وراء الحاجة لتكوين هذه المجالس تنبع من قراءة واقعية وعميقة لدروس الماضي والحاضر، فالمرحلة الحالية لا تحتمل إنتاج أزمات جديدة، ولا تسمح بإعادة تدوير أخطاء الماضي، والمطلوب اليوم ليس مجرد عقد لقاءات أو إصدار بيانات، بل بناء بيئة سياسية ومجتمعية قادرة على استيعاب الجميع، وإدارة الخلافات بطريقة حضارية، وصناعة توافقات واقعية تحفظ مصالح الناس وتراعي تطلعاتهم. إن مبرّرات الحاجة إلى هذه المجالس متعددة الأوجه، فهي من الناحية السياسية تُشكّل آليةً لتوحيد الرؤية الجنوبية وتجميع توافقاتها قبل الدخول في حوار مصيري تترتب عليه استحقاقات تاريخية. ومن الناحية المجتمعية، تُعيد الاعتبار للعمق الاجتماعي المتنوع في المحافظات الجنوبية، بحيث لا تُصادَر القضية من قِبل نخب سياسية بعينها بمعزل عن روافدها الشعبية الأصيلة. ومن الناحية القانونية والمؤسسية، تُسهم في رسم ملامح تمثيل حقيقي ومتوازن يُعزز شرعية مخرجات الحوار ويُصوّن نتائجه من الطعن والتشكيك.
ما أقدمت عليه حضرموت يستحق الوقوف والتأمل، فالمحافظة التي تحمل في باطنها ثقلًا جغرافيًا واقتصاديًا وتاريخيًا استثنائيًا، اختارت أن تكون رائدةً لا تابعة، ومبادِرةً لا منتظِرة. ذلك أن تشكيل لجنة تحضيرية بمشاركة واسعة تضم كل الأطراف يُجسّد في الواقع العملي ما ظللنا ندعو إليه من الشراكة الفعلية والتوافق الحقيقي. لكن قيمة النموذج الحضرمي لا تكمن في ذاتها فحسب، بل في قابليتها للتعميم والانتشار؛ فلكل محافظة جنوبية خصائصها وطبيعتها ومكوناتها، غير أن المبدأ واحد، وهو بناء اللجنة التحضيرية بتنسيق دقيق وشراكة واسعة، اذ لابد من تمثيل وإشراك كل شرائح المجتمع، لأن الجنوب ليس فئةً واحدة، ولا قطاعًا واحدًا، ولا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
