السياسة الخارجية اللبنانية.. دبلوماسية الصراع الداخلي

جان يعقوب جبور

منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، بقيت السياسة الخارجية اللبنانية أسيرة التوازنات الداخلية والتجاذبات الإقليمية والدولية، إلا أنّ السنوات الأخيرة أظهرت تحوّلًا أكثر خطورة يتمثل في انتقال بعض القوى السياسية والرسمية من مفهوم النأي بالنفس إلى إعادة صياغة موقع لبنان السياسي بطريقة تضعه ضمن محور إقليمي يتقاطع عمليًا مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية، ولو لم يُعلن ذلك بشكل مباشر وهذا جلي في تركيبة الحكومة الحالية من خلال إسناد هذه الحقيبة لحزب القوات اللبنانية. هذا التحول لا يظهر فقط في الخطابات السياسية، بل في طبيعة التموضع الدبلوماسي، وفي طريقة التعاطي مع ملفات السيادة والحدود والمقاومة والاقتصاد وحتى هوية لبنان السياسية في المنطقة.

بعد انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 والانهيار المالي الكبير، دخل لبنان مرحلة فراغ سياسي ومؤسساتي عميق، استغلته أطراف داخلية وخارجية لطرح فكرة تغيير وجه لبنان . لم يعد النقاش يدور حول الإصلاح المالي والإداري فقط، بل حول إعادة تموضع الدولة بالكامل، وإضعاف أي قوة تعتبر عائقًا أمام مشروع إقليمي جديد تقوده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ومنذ اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في تشرين الأول 2022 برعاية أمريكية مباشرة عبر الوسيط آموس هوكشتاين، بدأ الحديث يتزايد عن مرحلة جديدة في العلاقة غير المباشرة مع إسرائيل، ليس من زاوية الحرب فقط، بل من زاوية المصالح الاقتصادية والطاقة والاستقرار الأمني. اتفاق الترسيم نفسه قُدِّم للبنانيين على أنه "إنجاز سيادي" يسمح للبنان باستخراج الغاز، لكنه في الواقع شكّل بداية تحوّل سياسي أعمق. فالمفاوضات التي كانت تُرفض سابقًا تحت عنوان "التطبيع المُقنَّع"، أصبحت أمرًا واقعًا تحت عنوان "المصلحة الوطنية". ورغم أنّ الاتفاق لم يكن معاهدة سلام، إلا أنه فتح الباب أمام خطاب داخلي يعتبر أن الأولوية لم تعد مواجهة إسرائيل أو حماية عناصر القوة اللبنانية، بل حماية الاستقرار الاقتصادي حتى ولو تطلب الأمر تقديم تنازلات سياسية تدريجية ومنها التساهل مع مخطط إسرائيل التوسعي.

ومع اندلاع حرب غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وما تبعها من مواجهات على الحدود الجنوبية اللبنانية، ظهرت بوضوح الانقسامات الداخلية حول هوية لبنان السياسية. ففي الوقت الذي اعتبرت فيه شرائح واسعة أنّ ما يجري في الجنوب مرتبط بالصراع الإقليمي المفتوح ضد الاحتلال الإسرائيلي، برز خطاب سياسي وإعلامي داخلي يتهم أي مواجهة مع إسرائيل بأنها خدمة لأجندات خارجية أو الجملة الشهيرة "توريط للبنان". هذا الخطاب لم يكتفِ برفض الحرب، بل بدأ يحمّل المقاومة وحدها مسؤولية أي تصعيد، متجاهلًا تاريخ الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان منذ عقود، من اجتياح 1978 إلى غزو 1982 وصولًا إلى حرب تموز/ يوليو 2006 والخروقات الجوية والبحرية اليومية بعد ذلك.

التبدل في السياسة الخارجية اللبنانية لا يمكن فصله أيضًا عن طبيعة التحالفات الدولية الجديدة لبعض القوى السياسية. فهناك أحزاب وشخصيات باتت ترى أن مستقبل لبنان يكمن في الانخراط الكامل بالمشروع الغربي والخليجي، حتى ولو كان الثمن تفكيك عناصر القوة الداخلية أو تحويل لبنان إلى ساحة ضغط على قوى لبنانية أخرى. هذا الأمر ظهر بوضوح في مواقف دعت إلى نزع سلاح المقاومة بالقوة السياسية والاقتصادية، وربط أي مساعدات دولية للبنان بشروط تتعلق بالسيادة الأمنية والعسكرية، وهي شروط لطالما تبنتها الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل علني. في المقابل، يستخدم هذا الفريق خطاب "الدولة" و"الشرعية" لتبرير سياساته، لكنه يتجاهل أنّ مفهوم الدولة لا يُبنى فقط عبر حصر السلاح، بل عبر استقلال القرار الوطني أيضًا. فالسياسة الخارجية التي تُبنى على الرضوخ للضغوط.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الرؤية العمانية

منذ 8 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
صحيفة الرؤية العمانية منذ 17 ساعة
وكالة الأنباء العمانية منذ 4 ساعات
صحيفة الرؤية العمانية منذ 13 ساعة
إذاعة الوصال منذ 5 ساعات
إذاعة الوصال منذ 17 ساعة
صحيفة أثير الإلكترونية منذ 10 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 16 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 14 ساعة