في تاريخ الشرق الأوسط، توجد لحظات لا تُقاس فقط بحجم الأحداث التي ترافقها، بل بقدرتها على إعادة تعريف شكل المنطقة لعقود طويلة.
لحظات يتغيّر فيها معنى القوة، وتُعاد فيها صياغة التوازنات، وتنتقل فيها الدول من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الاستقرار نفسه.
وما يجري اليوم في الخليج، وخصوصاً في محيط مضيق هرمز، يبدو أقرب إلى هذا النوع من التحولات الكبرى التي تتجاوز حدود التصعيد الآني لتلامس مستقبل النظام الإقليمي بأكمله، لأن القضية لم تعد مجرد توترات بحرية، أو تهديدات مرتبطة بالملاحة الدولية، أو حتى أزمة سياسية عابرة مع إيران، بل أصبحت معركة عميقة على تعريف الأمن الإقليمي، وعلى من يملك حق صياغة قواعد الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيراً. وهنا تحديداً تبرز دول مجلس التعاون الخليجي بوصفها الطرف الذي بدأ يعيد صياغة المشهد من منطق مختلف تماماً عن منطق الفوضى والتصعيد. فعلى امتداد عقود طويلة، ارتبط الخليج في الوعي الدولي بمنطقة تعيش تحت ضغط التوترات الدائمة، فيما بقي مضيق هرمز يُقدَّم باعتباره أحد أخطر نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم، القادرة في أي لحظة على تهديد الاقتصاد العالمي والطاقة الدولية وحركة التجارة البحرية.
ومنذ حرب الناقلات في الثمانينيات، تشكلت معادلة إقليمية ثابتة تقريباً:
كلما تصاعد التوتر مع إيران، عاد العالم للخوف من «هرمز». ومع مرور الوقت، تحولت هذه المعادلة إلى جزء أساسي من أدوات النفوذ الإقليمي الإيراني. فطهران لم تعتمد فقط على القوة العسكرية أو شبكات النفوذ التقليدية، بل بنت جانباً مهماً من حضورها الاستراتيجي على فكرة أن الجغرافيا البحرية يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط دائمة، تمنحها قدرة على التأثير في التوازنات الإقليمية والاقتصاد العالمي ورفع كلفة أي مواجهة معها. وهذا ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد التهديد الجيوسياسي». أي تحويل الممرات البحرية إلى أدوات نفوذ وردع سياسي واستراتيجي. لكن ما تغيّر بصورة عميقة خلال المرحلة الأخيرة، أن الخليج نفسه بدأ بتفكيك هذه المعادلة تدريجياً، ليس عبر التصعيد المباشر، بل عبر إعادة تعريف قواعد الأمن البحري والسيادة الإقليمية بصورة مختلفة تماماً.
وهنا يظهر التحول الخليجي بوصفه أحد أهم التحولات الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة منذ سنوات طويلة. فدول مجلس التعاون الخليجي لم تتعامل مع التهديدات الإيرانية الأخيرة باعتبارها مجرد أزمة أمنية مؤقتة، بل باعتبارها تحدياً بنيوياً يستوجب إعادة بناء المنظومة الأمنية والبحرية والسيادية للخليج وفق رؤية أكثر تماسكاً وعمقاً.
ولهذا جاءت التحركات الخليجية الأخيرة داخل المنظمة البحرية الدولية مختلفة تماماً عن أي مرحلة سابقة. فالخليج هذه المرة لم يتحرك بمنطق الاحتجاج السياسي التقليدي فقط، بل بمنطق بناء ملف قانوني وتقني وسيادي متكامل يهدف لتثبيت حقيقة استراتيجية شديدة الأهمية: أن مضيق هرمز ليس ورقة نفوذ إقليمي، بل ممراً دولياً يخضع للقانون البحري العالمي وحرية الملاحة الدولية. وهذا التطور بالغ الدلالة. لأن المعركة لم تعد مجرد معركة عسكرية أو بحرية، بل أصبحت معركة شرعية وسيادة وتعريف لمفهوم القوة نفسه. فدول الخليج بدأت عملياً عملية «نزع الاحتكار السياسي» عن مضيق هرمز، عبر تدويل الملف، وتحويل أي تهديد للملاحة إلى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة النهار الكويتية
