صدر القرار الوزاري رقم 168 لسنة 2025، في خطوة تهدف إلى إدخال أنشطة الأعمال الحرة ضمن إطار قانوني منظم. وهذا التوجه، من حيث المبدأ، مهم ومطلوب، إذ لم يعد العمل الحر نشاطاً هامشياً، بل أصبح جزءاً من الاقتصاد الحديث، فلا يمكن أن تُترَك هذه الأنشطة خارج الرقابة والتنظيم. غير أن النقاش لا يتعلق بجدوى تنظيم العمل الحر، بل بمدى ملاءمة الوسيلة القانونية التي اختارها القرار لتنظيم ممارسة صاحب العمل الحر نشاطه.
ليس كل صاحب عمل حر تاجراً
تشترط المادة (3) من القرار أن يكون طالب الترخيص شركة شخص واحد. ولا ينكر أن القرار خفّض رأسمال هذه الشركة المرخصة لمزاولة أنشطة الأعمال الحرة إلى نصف رأس المال المقرر وفق القواعد العامة، وهو تخفيف مالي يحسب له. كما لا ينكر أن شركة الشخص الواحد قد تحقق مزايا مهمة، في مقدمتها فصل الذمة المالية وتنظيم المسؤولية، وقد تكون خياراً مناسباً لمن يرغب في توسيع نشاطه أو حماية ذمته الشخصية.
غير أن هذه المزايا لا تعني بالضرورة أن يكون هذا القالب إلزامياً لكل ممارس حرّ، بصرف النظر عن حجم نشاطه وطبيعته. فليس كل صاحب عمل حر تاجراً بالمعنى التقليدي، وليس كل مَن يقدّم خدمة لحسابه الخاص يدير مشروعاً تجارياً متكاملاً. فقد يكون النشاط قائماً على مهارة شخصية، أو خبرة مهنية، أو خدمة رقمية محدودة، يؤديها صاحبها بنفسه، من دون موظفين أو مقرّ أو هيكل إداري. وفي هذه الحالة، فإن معاملته منذ البداية كصاحب شركة قد توسّع نطاق الالتزامات المفروضة عليه بما يتجاوز طبيعة نشاطه الفعلية.
الذمة المالية المستقلة: مزية في موضع وعبء في آخر
متى اكتسبت شركة الشخص الواحد شخصيتها الاعتبارية كانت لها ذمة مالية مستقلة عن ذمة مالكها. وبذلك، فإن الإيرادات التي تتحقق باسم الشركة لا تعد، من حيث الأصل، أموالاً شخصية لصاحبها يتصرف فيها كما يتصرف في حسابه الخاص، بل تعد أموالاً للشركة تدار وفق قواعدها المحاسبية والقانونية.
وهذه الميزة قد تكون مطلوبة في مشروع تجاري متوسط الحجم أو لمن يسعى إلى فصل مسؤوليته الشخصية. غير أن أثرها العملي يختلف بالنسبة إلى الممارس الفرد الذي اعتاد أن تكون إيراداته ومصروفاته مرتبطة به مباشرة، إذ تصبح العلاقة المالية أكثر تنظيماً وتعقيداً: حسابات باسم الشركة، ومصروفات مثبتة، وأرباح قابلة للتوزيع، وربما راتب أو مكافأة أو سحب منظم وفق القيود المحاسبية. ومن ثمّ، فإن المسألة لا تتعلق بمجرد الحصول على ترخيص، بل بالانتقال إلى نظام مالي وقانوني مختلف عن طبيعة كثير من الأعمال الحرة الصغيرة.
التزامات لاحقة تتجاوز التأسيس
لا تقف آثار اختيار قالب الشركة عند حدود التأسيس ورأس المال، فمتى دخل صاحب العمل الحر في شكل شركة، قد يصبح، بحسب القواعد المطبقة على الشركات، أقرب إلى دائرة الالتزامات المحاسبية والإدارية والتقنية التي لا يواجهها الممارس الفرد عادة. ومن أبرز ما يتوقع في هذا السياق منظومة إيداع القوائم المالية إلكترونيّاً وفق معيار XBRL، مع الاتجاه إلى الإلزام عند تقديم الميزانيات والقوائم المالية لجميع الشركات بدءاً من 1 يناير 2027.
وهذه الخطوة مهمة من حيث المبدأ، فهي تعزز الشفافية وتدعم كفاءة الرقابة المالية. والملاحظة هنا ليست موجهة إلى نظام XBRL نفسه، بل إلى الأثر المتراكم لاختيار الشكل القانوني. فمتى عومل الفرد كشركة منذ البداية تحمَّل لاحقاً التزامات الشركات، ولو كان نشاطه في حقيقته قائماً على مهارة شخصية محدودة. وقد يؤدي ذلك إلى رفع تكلفة الامتثال على أصحاب الأعمال الحرة، أو إلى تردد بعضهم في الدخول إلى الإطار النظامي إذا شعروا أن الترخيص سيعاملهم ككيانات تجارية كاملة لا كممارسين مستقلين.
الفرق بين التجربتَيْن الكويتية والسعودية
نستعرض الفرق بين التجربتين الكويتية والسعودية من عدة جوانب: تظهر المفارقة أولاً في أن القرار الكويتي حصر أنشطة الأعمال الحرة في جدول محدد، ولا ينكر أن الجدول تضمن عدداً واسعاً من الأنشطة المهنية والخدمية والاستشارية والفنية، ولوحظ أن أغلبية الأنشطة الواردة في الجدول يغلب عليها الطابع الاستشاري، مع أن كثيراً من الأعمال الحرة لا تقف عملياً عند حدود تقديم المشورة، بل تبدأ بها ثم تمتد إلى تنفيذ العمل.
وهنا يثار التساؤل حول الحد الفاصل بين ممارسة النشاط المسموح به وتجاوز نطاقه، خصوصاً إذا باشر الممارس عملاً مكملاً أو تابعاً للنشاط الأصلي دون أن يكون مستقلاً عنه استقلالاً تاماً. فضلاً عن أن العمل الحر بطبيعته سريع.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الجريدة
