التخيل المشترك والوطنية السلوكية سبيلان لتعزيز الهوية الوطنية السعودية (3)

مفهوم «التخيل المشترك»، أو ما يسمى سوسيولوجيًا «الجماعات المتخيلة»، هو أحد المفاهيم التي صاغها «بينديكت أندرسون»، في علم الاجتماع السياسي. وكلمة «تخيل» هنا لا تعني «الوهم» أو «الخيال غير الواقعي»، بل تعني أن المواطن في دولة ما لن يقابل معظم شركائه في الوطن من المواطنين، ولن يعرفهم شخصيا، ولن يسمع عنهم، ومع ذلك، توجد في عقل كل مواطن صورة ذهنية تجمعه بهم. فأنت، كابن للرياض أو جدة، حينما تسمع عن إنجاز لمواطن في جازان أو تبوك، تشعر بالفخر وتعده «منك»، رغم أنك لا تعرفه، وهذا الرابط الذهني هو ما يطلق عليه «التخيل المشترك»، ومن هذه الإشارة يمكن فهم كيفية التحول من «العيش معًا» إلى «التخيل المشترك»، فالعيش معًا: هو مجرد وجود جماعات في مكان واحد تشترك في المصالح اليومية (سوق واحد، أمن واحد... إلخ)، أما التخيل المشترك: فهو أن تتحول العلاقة إلى رابطة وجدانية، تشعر معها أن تاريخ ابن «الأحساء» هو تاريخك، وأن أمل ابن «الحدود الشمالية» هو أملك، إنها «نحن» الكبيرة التي تذوب فيها «الأنا» الفردية أو المناطقية.

والهوية الوطنية لا تترسخ بمجرد الكلام والشعارات، بل تترسخ عبر مجموعة من الأدوات تجعل هذا «التخيل» حيا وملموسا، ومن أهم هذه الأدوات، التعليم: فحينما يقرأ جميع الطلاب في كل مناطق المملكة التاريخ ذاته والقصص الوطنية ذاتها، تتحد «ذاكرتهم»، وكذلك تعتبر الرموز الوطنية «مكثفات» تجعل ملايين الناس يشعرون بنفس النشوة الوطنية الإيجابية في اللحظة ذاتها، وكذلك المناسبات: مثل «يوم التأسيس» أو «اليوم الوطني»؛ هي لحظات يتخيل فيها الجميع أنهم يقفون في صف واحد خلف حكاية واحدة.

التخيل كان في مرحلة «السيولة»، محصورا في القبيلة أو القرية (نتخيل فقط من تربطنا بهم صلة دم أو مجاورة)، أما في مرحلة «التشكل»، فقد نجحت الدولة السعودية في توسيع دائرة التخيل لتشمل الخريطة الكبرى، فأصبح السعودي يرى نفسه جزءا من «سردية كبرى» بدأت من التأسيس وصولا إلى الرؤية المستقبلية، فالتخيل المشترك هو «الرابطة الوثيقة» غير المرئية التي تجعل ملايين الغرباء يشعرون أنهم عائلة واحدة، ولهم مصير واحد، وقصة واحدة يحكونها للعالم، وهذا «التخيل المشترك» يزداد قوة من خلال المشاريع المستقبلية، مقارنة بالاعتماد على التاريخ وحده.

وعلى صعيد آخر، فإن «الوطنية السلوكية» لدى الأجيال الجديدة ينبغي أن تصبح ممارسة يومية لا مجرد شعار، فتحويل الوطنية من «عاطفة في القلب» أو «شعار على اللسان» إلى «سلوك في الميدان» هو التحدي الكبير، فالوطنية السلوكية هي التي تحمي المكتسبات وتصنع الحضارات، ولتعزيز هذا المفهوم، نحتاج إلى إستراتيجيات تتجاوز التلقين التقليدي إلى «الممارسة والقدوة»، وذلك عبر مسارات منها: أولا: ربط المصلحة الخاصة بالمصلحة العامة: فلن يمارس النشء الوطنية كفعل يومي إلا إذا أدرك أن الحفاظ على النظام العام يعود بالنفع المباشر على جودة حياته الشخصية، وهذا يتم حينما نحول قصص النجاح الوطنية إلى مكاسب ملموسة؛ لتوصل رسالة مؤداها: «حينما يزدهر وطني، تتوفر لي وظيفة أفضل، وبيئة أكثر أمانا، ومكانة دولية أفتخر بها». وثانيا: غرس «ثقافة المُلْكية»: فالوطنية السلوكية تبدأ حينما يشعر النشء أن الحديقة العامة مثلا هي «حديقته»، وأن سمعة بلده في الخارج هي «سمعته الشخصية»، وهذا يمكن تفعيله في ذهنية الجيل ووجدانه من خلال برامج التطوع المجتمعي الممنهجة، مما يولد لديهم شعورا بأنهم «شركاء» في البناء وليسوا مجرد «متلقين» للخدمات. ثالثا: تحويل الرموز إلى «أخلاقيات عمل» من خلال ربطها بقيم مثل الإتقان، والنزاهة، والمسؤولية، وهنا تصبح الوطنية «معيارا للجودة».....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 9 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 11 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 22 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 11 ساعة
سعودي سبورت منذ 13 ساعة
صحيفة سبق منذ 9 ساعات
قناة الإخبارية السعودية منذ 10 ساعات
صحيفة عاجل منذ 13 ساعة
صحيفة سبق منذ 9 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 5 ساعات