بين السيادة الوطنية والمسؤولية الإسلامية: كيف صنعت السعودية نموذجا عالميا في خدمة ضيوف الرحمن

منذ تأسيس المملكة العربية السعودية كدولة عصرية قوية، ارتبطت شرعيتها التاريخية والسياسية والدينية بخدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، حتى أصبحت إدارة الحج أحد أعظم المشاريع التنظيمية والإنسانية في العالم المعاصر. فالحج لم يعد مجرد موسم ديني محدود الزمن، بل تحول إلى عملية تشغيلية وقانونية وأمنية وصحية ولوجستية معقدة. تُدار فيها حركة ملايين البشر داخل نطاق جغرافي ضيق وخلال أيام معدودة، وهي مهمة لو أُسندت إلى كثير من الدول والمؤسسات الدولية لتعثرت أمام تعقيداتها.

حين يُذكر الحج في العصر الحديث، فإن الحديث لم يعد مقتصراً على الشعيرة الدينية بوصفها ركناً من أركان الإسلام، بل أصبح الحديث يمتد إلى واحدة من أعقد عمليات الإدارة والتنظيم والسيادة في العالم. فالمملكة العربية السعودية لا تدير موسماً دينياً عابراً، وإنما تتولى مسؤولية تشغيلية وقانونية وأمنية وإنسانية تتعلق بملايين البشر الذين يتوافدون من مختلف دول العالم. خلال فترة زمنية محدودة وفي مساحة جغرافية ذات طبيعة استثنائية، وهو ما جعل تجربة المملكة في إدارة الحج نموذجاً فريداً يستحق الدراسة من منظور القانون الدولي والسيادة الإقليمية.

لقد أنفقت بلادنا الغالية بكل كرم ونوايا صالحة خلال العقود الماضية عشرات المليارات على توسعة الحرمين الشريفين، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء شبكات الطرق والأنفاق والجسور والقطارات ومنظومات النقل الذكية، إضافة إلى بناء مراكز صحية وأمنية ومرافق خدمية فئة السبع نجوم وتقنية متقدمة، وكل ذلك دون أن يتحول الحج إلى مشروع اقتصادي بحت، بل ظل مشروعاً سيادياً وإنسانياً ودينياً وخيريا تُسخَّر له إمكانات الدولة ومؤسساتها لخدمة ضيوف الرحمن.

ولم تتوقف الجهود السعودية عند البناء العمراني الراقي، بل امتدت إلى تطوير منظومة تشريعية وتنظيمية متكاملة تشمل التأشيرات، وإدارة الحشود، والتصاريح، ومتطلبات السلامة، وآليات الدخول إلى المشاعر، بما يضمن حماية الأرواح ومنع الفوضى والتدافع، مع توظيف واسع للتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في متابعة الكثافات البشرية وإدارة الحركة الميدانية. وقد أصبحت التجربة السعودية في إدارة الحشود نموذجاً يدرّس عالمياً لما حققته من كفاءة تشغيلية في التعامل مع ملايين الحجاج خلال فترة زمنية قصيرة.

وبالدخول في الجانب القانوني المحلي والدولي، فإن المملكة تمارس سيادتها الكاملة على أراضيها كافة، بما فيها مكة المكرمة والمدينة المنورة، وذلك وفقاً للقواعد المستقرة في القانون الدولي العام ومبادئ السيادة الإقليمية المعترف بها دولياً. فالحرمين الشريفين يقعان داخل إقليم الدولة السعودية، وتخضع إدارتهما للأنظمة الوطنية شأنهما شأن أي قرية أو مدينة داخل حدودنا السعودية، مع خصوصية دينية وروحية تميزهما عن غيرهما. ولذلك من المهم هنا التمييز بين الحق الديني للمسلمين في أداء الشعائر وبين الملكية والسيادة القانونية على الإقليم؛ فالأول حق تعبدي وروحي واسع، أما الثاني فهو مسألة قانونية وسيادية تخضع لقواعد الدولة وحدودها المعترف بها دولياً. ولذلك فإن العبارة المتداولة إعلامياً بأن مكة المكرمة والمدينة المنورة لجميع المسلمين تُفهم في سياقها المعنوي باعتبارها تعبيراً عن الانفتاح الديني وخدمة الأمة الإسلامية، لا باعتبارها توصيفاً قانونياً ينقل السيادة أو ينشئ وضعاً دولياً خاصاً خارج الإطار السيادي للدولة، وفي الموضوع ذاته تقدمت بورقة علمية خاصة وجهد شخصي في هذا الموضوع في أحد المؤتمرات ببريطانيا والتي كانت حول السيادة القانونية للدول. وكان ذلك وقت خرافات الخريف العربي. وكان هدفي الخاص الوطني هو إزالة الوهم والخبث لدى بعض دول الضد. لأنني وجدت أنه في هذا السياق تظهر بين الحين والآخر دعوات لما يسمى بـ«تدويل الحج» أو إخضاع الحرمين لإدارة جماعية أو دولية. فمن الناحية القانونية البحتة دوليا، فإن مثل هذه الطروحات تصطدم مباشرة بمبدأي السيادة الإقليمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهي مبادئ راسخة في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. كما أن فكرة نزع إدارة جزء من إقليم دولة ذات سيادة دون رضاها تُعد مساساً مباشراً بسلامة الإقليم واختصاصات الدولة الأساسية.

ومن وجهة نظري أجد أن وصف تلك الدعوات بأنها " إعلان حرب" يحتاج إلى قدر من الدقة القانونية؛ فليس كل طرح سياسي أو إعلامي رخيص وساذج يرقى تلقائياً إلى مفهوم الحرب أو العدوان بالمعنى القانوني الدولي. لكن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 6 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
سعودي سبورت منذ 19 ساعة
صحيفة الوئام منذ 9 ساعات
صحيفة سبق منذ 12 ساعة
صحيفة عكاظ منذ ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 56 دقيقة
صحيفة الوطن السعودية منذ 6 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 12 ساعة
صحيفة سبق منذ 10 ساعات