أبوسيف اغنيه يكتب: نداء وطني لاستحداث منظومة الدعم النقدي المباشر في ليبيا

كتب: د. أبوسيف الزروق اغنيه / الخبير المالي والاقتصادي الدولي ورئيس صندوق ليبيا للتنمية الصناعية

أخي المواطن الكريم، أختي المواطنة الكريمة، الإخوة والأخوات المهتمين بالشأن العام والاقتصادي في ليبيا..

في ظل انسداد قنوات التواصل المؤسسي التقليدية وصعوبة إيصال المقترحات الهيكلية عبر المسارات الدولية البيروقراطية المعتادة، اخترت أن أشارككم من خلال هذا المنبر الرقمي الحر رؤية ومبادرة وطنية تم صياغتها استناداً إلى عقود من الخبرة الدولية في المجال الاقتصادي والمالي والحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر. إن هذا المنبر يمثل اليوم وسيلتنا المباشرة لكسر طوق الصمت، وطرح بدائل حقيقية تسهم في معالجة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تمس حياة كل مواطن.

أكتب إليكم اليوم لا بصفتي خبيراً عاصر تجارب الإصلاح والتطوير والتنمية في أكثر من 57 دولة حول العالم فحسب، بل بصفتي أخاً محباً يتألم لما تمرون به، وقلباً كبيراً يريد الخير لكل عائلة وكل فرد في هذا الوطن المعطاء.

عزيزي، عزيزتي، هل تعلمون أين تذهب ثرواتكم؟

دعونا نتحدث بلغة الأرقام الصادقة التي لا تجامل؛ عائلتك المكونة من 6 أفراد تكلف الدولة الليبية حالياً (مايو 2026) ما يقارب 6,000 دينار شهرياً لتغطية ميزانية الطاقة والمحروقات. السؤال الكبير الذي يجب أن نطرحه جميعاً: أين تذهب هذه الأموال؟ وكم يصل منها فعلياً إلى جيبك ليدعم أسرتك ويسهل حياة أولادك؟

الحقيقة المرة هي أن الدعم العيني الحالي (البنزين الرخيص، الكهرباء المهدورة) لا يستفيد منه المواطن البسيط بالشكل العادل؛ المستفيد الأكبر هو شبكات التهريب الدولية والعابرة للحدود، وأصحاب المصالح في السوق السوداء. نحن ندعم وقوداً يُهرب لدول الجوار، بينما يقف المواطن الليبي الشريف في طوابير محطات البنزين! لقد حان الوقت لننتقل من هذه المنظومة التقليدية الفاشلة إلى منظومة الدعم النقدي المباشر وفق خطة مبتكرة تضمن دخول الأموال إلى جيوب الليبيين البسطاء مباشرة.

ملامح الخطة المبتكرة لاستبدال الدعم: أموالك في جيبك أولاً

التحول الرقمي الشامل (حساب المواطن الليبي): الربط الفوري بالرقم الوطني عبر إنشاء منصة رقمية موحدة مرتبطة مباشرة بمنظومة الأحوال المدنية، لضمان أعلى درجات الامتثال والنزاهة، ومحاربة التزوير، وضمان وصول كل درهم لمستحقيه الفعليين.

المحافظ الإلكترونية الذكية: تحويل القيمة النقدية (الـ 6,000 دينار شهرياً، أو ما تحدده الدراسات بدقة وبعدد أفراد كل أسرة) مباشرة إلى الحسابات المصرفية والمحافظ الرقمية للهواتف (سداد، تداول، موني، وغيرها)، بلا طوابير، بلا وساطة، وبلا تأخير.

التدرج الذكي لمنع الصدمات والتضخم

المرحلة الأولى (وقود السيارات): الرفع التدريجي لأسعار الوقود على مدار 18 إلى 24 شهراً؛ فالرفع الفجائي بنسبة 100% هو انتحار اقتصادي لن نسمح به.

الدفع المسبق (Cashback): يستلم المواطن القيمة النقدية في حسابه أولاً، ثم يتم تحريك أسعار الوقود في المحطات لاحقاً (بعد 3 أشهر)، لضمان عدم حدوث أي هزة في القدرة الشرائية.

مؤشر مرن لغلاء المعيشة: ربط قيمة الدعم النقدي بمعدلات التضخم وأسعار السوق لحماية الطبقات الهشة بشكل مستمر ومدروس.

ابتكار بطاقة الطاقة الذكية (مكافأة الترشيد)

لتجنب ضخ سيولة كاش ضخمة قد تسبب تضخماً، تقسم القيمة إلى قسمين:

50% دعم نقدي مباشر: يدخل الحساب المصرفي للتصرف فيه بحرية.

50% رصيد في بطاقة طاقة ذكية: مخصصة حصرياً لشراء البنزين، الديزل، دفع فواتير الكهرباء، أو غاز الطهي.

المفاجأة؟ إذا نجحت العائلة في ترشيد استهلاكها ولم تستهلك كامل الرصيد، يتم تحويل المتبقي تلقائياً إلى كاش في حسابهم نهاية الشهر كمكافأة ترشيد.

حماية قطاع النقل والخدمات (العمود الفقري للأسعار)

لحماية أسعار السلع والخدمات من الارتفاع:

تخصيص جزء من وفورات الدعم لدعم وقود شاحنات نقل البضائع، سيارات الإسعاف، والخدمات العامة.

توجيه استثمارات فورية لإنشاء شبكة نقل عام حديثة ومتطورة (ترامواي) بكل من طرابلس وربطها بالزاوية، وبنغازي، وسبها، ومصراتة، والبيضاء، وتعميم هذه الوسيلة على المدن الكبيرة بليبيا لاحقاً.

بالأرقام والحقائق.. كيف ستتغير حياتك اليومية؟

عند تطبيق هذه الرؤية المستلهمة من أفضل الممارسات الدولية، سنشهد نتائج ملموسة على كافة الأصعدة:

توجيه ضربة قاضية للتهريب: عندما يصبح سعر الوقود الليبي مساوياً للسعر العالمي، سيتوقف التهريب فوراً؛ فلن يجد المهرب هامش ربح يدفعه للمخاطرة.

عدالة اجتماعية حقيقية: العائلة البسيطة التي تملك سيارة واحدة (أو لا تملك) ستتساوى في قيمة الدعم مع العائلة الميسورة التي تملك أسطول سيارات، مما يعيد توزيع الثروة بعدالة.

إنعاش المنظومة المصرفية والقضاء على أزمة السيولة: ضخ هذه المليارات عبر القنوات الرقمية والمصرفية سيقضي على أزمة السيولة المزمنة في المصارف الليبية نهائياً.

إعادة بناء البنية التحتية: الأموال الضخمة التي كانت تذهب هباء في قاع التهريب، ستُوجه لترميم قطاعات الصحة، التعليم، صيانة شبكة الكهرباء المتهالكة لضمان توفر الطاقة 24 ساعة، وتقليل الحوادث المرورية عبر صيانة الطرق.

شرط النجاح الحاسم: الثقة والأمان

من واقع خبرتي الدولية، لن يكتب النجاح لهذه الخطة إلا بشرط واحد ووحيد: بناء جسر من الثقة المطلقة بين المواطن والدولة. يجب أن يرى المواطن الأموال في حسابه المصرفي بانتظام وبشكل مسبق وقبل أي خطوة لرفع الأسعار.

هل نتوقع معارضة؟ نعم، وبشدة! ولكن اعلموا يا إخوتي أن هذه المعارضة لن تكون من المواطن البسيط الذي يريد ستر عائلته، بل ستكون من المتنفذين والمهربين الذين يقتاتون ويتقاتلون على ثرواتكم ويستفيدون من فرق أسعار النفط والكهرباء وغيرها.

والله إني لكم ناصح أمين، أضع خبرة السنين بين أيديكم غيرة على هذا الوطن. تكرموا بالتعميم والمشاركة إن كنتم تشاركونني الرأي، وتكرموا بالتعليق والتعميم أيضاً إن كنتم تختلفون معي، لنثري الحوار ونتعرف على حلول بديلة وآراء ابتكارية تخدم ليبيا.


هذا المحتوى مقدم من قناة تبادل

إقرأ على الموقع الرسمي


وكالة الأنباء الليبية منذ ساعتين
عين ليبيا منذ 3 ساعات
تلفزيون المسار منذ ساعتين
عين ليبيا منذ 5 ساعات
بوابة الوسط منذ ساعة
عين ليبيا منذ 7 ساعات
تلفزيون المسار منذ 6 ساعات
وكالة الأنباء الليبية منذ 6 ساعات