في المشهد الأمريكي الراهن، تبدو استقالة تولسي غابارد أشبه بحجر صغير سقط في بحيرة راكدة، فعرّى اتساع الموج لا ضآلة الحجر. ليست رئيسة الاستخبارات سوى علامة على نص أكبر يكتبه النظام الأمريكي على جدار تاريخه: نص التآكل من الداخل.
غابارد قصة انعكست فيها تناقضات واشنطن على مرآة فردية. نائبة ديمقراطية ذات نزعة مناهضة للحروب «الليبرالية»، انقلبت على حزبها عندما رأت فيه طبقة من النُخب، ثم وجدت في ترامب منصة للتعبير عن تمردها على المؤسسة. هكذا انتقلت من مقاعد الكونغرس إلى قمة هرم الاستخبارات الوطنية، حاملة معها تناقضاً صعباً: شخصية بُنيت على نقد المؤسسة، ثم وجدت نفسها داخل أكثر مؤسسات الدولة حساسية.
لكن ما بدا في البداية تقاطعاً بين إدارة تبحث عن أصوات متمردة، وسياسية ترى نفسها خارج النخبة التقليدية، انتهى سريعاً عند حدود السلطة نفسها. فمع تصاعد الخلافات حول ملفات الأمن القومي، بدأت المسافة تتسع بين لغة السياسة ولغة الاستخبارات. ولم تكن التسريبات عن جلسات التوبيخ التي تعرضت لها في البيت الأبيض سوى إشارة إلى لحظة يصبح فيها المسؤول مضطراً لمواءمة تقديراته مع السياق السياسي، لا الاكتفاء بمعايير العمل المهني.
لذلك، حين أعلنت غابارد أن زوجها يواجه مرضاً نادراً وأنها قررت التفرغ إلى جانبه، بدا العذر الإنساني ستارة شفافة تخفي خلفها مسرحاً مكتظاً بالخلافات، وبيتاً أبيض.. يضيق بهامش التباين أكثر مما يحتمله نظامه السياسي نظرياً.
غير أن هذه الحالة لا تقف عند حدود تجربة واحدة. ففي غضون خمسة أشهر فقط، غادرت أربع سيدات مواقعهن في الإدارة الحالية: وزيرة الأمن، وزيرة العدل، وزيرة العمل، وصولاً إلى موقع حساس كالاستخبارات. تتابع هذه المغادرات يطرح تساؤلاً لا يمكن تجاهله: هل تعاني الإدارة من ضيق تجاه الاختلاف عموماً؟ أم أن الإشكال يتفاقم عندما يأتي هذا الاختلاف من نساء في مواقع القرار؟
هذا التساؤل لا يُطرح من زاوية جندرية بحتة، بل من منظور مؤسسي أوسع. فالاستقالات لا تُفهَم إلا إذا أُدرجت في سياق أوسع في بنية السلطة التنفيذية. إدارة تحولت إلى غرفة انتظار تزدحم فيها الاستقالات والإقالات: وزراء سيادة يخرجون تحت وطأة الفضائح أو الخلافات، مسؤولون كبار يغادرون احتجاجاً أو يطاح بهم في تغريدة فجائية، وجهاز بيروقراطي فيدرالي يتهيأ منه عشرات الآلاف للمغادرة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
