الاستقلال حين يتحوّل الوطن إلى عهدٍ لا مناسبة

في صباحٍ بدا عاديًا للوهلة الأولى، أيقظني رنينٌ قصير تسلّل من الهاتف كهمسةٍ خفيفة تشقّ صمت المكان. امتدّت يدي تلقائيًا نحو الشاشة، فإذا برسالةٍ تحمل توقيع الوطن قبل حروفها، ورسالةِ قائدٍ يعرف كيف يبلغ القلوب دون استئذان. كانت تهنئةً بعيد الاستقلال، لكنها لم تمرّ في الروح مرور الكلمات العابرة؛ إذ تحوّلت، في لحظةٍ خاطفة، إلى نافذةٍ واسعة انفتح منها الأردن بكل تفاصيله، كأن المسافات انكمشت فجأة، وكأن الغياب فقد شيئًا من قسوته.

ما أعجب الوطن حين يتجلّى في لحظةٍ صغيرة، وما أعمق أثره حين يأتينا على هيئة كلمةٍ مختصرة توقظ في الوجدان مدنًا من الذكريات. هناك، في غرفةٍ بعيدة عن عمّان، لم تكن الرسالة نصًا إلكترونيًا عابرًا، بل كانت وطنًا كاملًا يعبر المسافات ليجلس إلى جوار أبنائه، يطمئن عليهم ويذكّرهم بأن الانتماء ليس إقامةً جغرافية، بل إقامةٌ في القلب لا تغادره مهما ابتعدت الطرق. تسلّل عبق التراب الأردني إلى الذاكرة، ونهضت الجبال شامخةً في المخيلة، وعادت رائحة الشيح والدحنون، وعادت الحارات القديمة بأجراس كنائسها ونداءات مآذنها، وعاد ذلك الشعور العميق بأن للأردني، أينما حلّ، وطنًا يسكنه أكثر مما يسكنه.

هنا تتجاوز رسالة القائد معناها المباشر؛ فلا تعود تهنئةً بروتوكولية تُرسل في مناسبة وطنية، بل تصبح تعبيرًا حيًا عن فلسفة الدولة الأردنية في علاقتها بأبنائها؛ تلك العلاقة التي لم تُبنَ يومًا على مسافةٍ باردة بين القيادة والناس، بل على فكرة الأسرة الوطنية الممتدة، حيث يشعر الأردني أن الوطن يراه، ويسمعه، ويحتفظ له بمكانٍ دائم في الذاكرة الوطنية مهما ابتعدت به الجغرافيا.

غير أن الاستقلال، في جوهره الأعمق، لا يُختزل في لحظة احتفال، ولا يُقاس بمقدار الأعلام التي ترفرف أو الأناشيد التي تُتلى. الاستقلال معنى ثقيل النبض، عظيم المسؤولية، طويل الامتداد. إنه قصة وطنٍ خرج من ضيق الإمكانات إلى رحابة الدولة، ومن قسوة الجغرافيا السياسية إلى صلابة الحضور، ومن هشاشة المحيط الملتهب إلى ثبات الحكمة. وهو، قبل ذلك كله، إرثٌ من التضحيات والعقلانية السياسية التي جعلت من الأردن نموذجًا للدولة التي تعرف كيف تحمي توازنها دون أن تفقد إنسانيتها.

لقد حمل الهاشميون مشروع الدولة الأردنية بوصفه مشروع كرامةٍ إنسانية قبل أن يكون مشروع حكم. فمنذ البدايات، لم يكن بناء المؤسسات ترفًا سياسيًا، بل فعل نجاةٍ وطنية، ولم يكن الاستثمار في الإنسان خيارًا ثانويًا، بل رهانًا استراتيجيًا على بقاء الدولة وصلابتها. وفي ظل القيادة الهاشمية، ترسّخت معادلة دقيقة تجمع بين.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ 5 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
قناة المملكة منذ 8 ساعات
قناة رؤيا منذ 3 ساعات
خبرني منذ 4 ساعات
خبرني منذ 6 ساعات
خبرني منذ 18 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 56 دقيقة
خبرني منذ 6 ساعات
خبرني منذ 20 ساعة