كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني -
ثمانون عاماً مرّت على استقلال الأردن، وما تزال هذه الدولة الصغيرة بمساحتها، الكبيرة بمكانتها، تقف بثبات وسط إقليم مضطرب وتحديات لا تتوقف. فمنذ أن أُعلن الاستقلال عام 1946، نجح الأردن بقيادته الهاشمية، وجيشه العربي، ومؤسساته الوطنية، وشعبه المتماسك، في بناء دولة حافظت على استقرارها ووحدتها وهيبتها، رغم محدودية الموارد وتعقيدات الجغرافيا والسياسة.
لقد كان الاستقلال أكثر من حدث سياسي؛ كان بداية مشروع وطني لبناء دولة حديثة تؤمن بالإنسان الأردني وقدرته على الصمود والإنجاز. فمن عهد الملك المؤسس الملك عبدالله الأول، مروراً بالملك الباني الملك الحسين بن طلال، وصولاً إلى الملك عبدالله الثاني بن الحسين، واصل الأردن بناء مؤسساته وترسيخ حضوره الإقليمي والدولي، محافظاً على ثوابته الوطنية والقومية، وعلى رأسها الدفاع عن فلسطين والقدس.
لكن الاحتفال بالاستقلال لا ينبغي أن يبقى محصوراً في البعد الرمزي أو التاريخي، بل يجب أن يتحول إلى مراجعة وطنية شاملة حول كيفية الاستثمار في الاستقلال وتعزيز مقوماته السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية. فالاستقلال في العصر الحديث لا يقاس فقط بالسيادة السياسية، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على الاعتماد على الذات، وحماية قرارها الوطني، وتوفير حياة كريمة لمواطنيها.
الاستقلال الاقتصادي الاستقلال الاقتصادي هو القاعدة الأساسية للاستقلال السياسي. فكلما ازدادت قدرة الدولة على الإنتاج وتوليد فرص العمل وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية، ازدادت قدرتها على اتخاذ قراراتها بحرية أكبر. ويحتاج الأردن في المرحلة المقبلة إلى سياسات اقتصادية تركز على الإنتاج والصناعة والتكنولوجيا والزراعة الحديثة، مع تحسين بيئة الاستثمار، وتخفيف البيروقراطية، وربط التعليم والتدريب المهني باحتياجات السوق. كما أن تنمية المحافظات وخلق مشاريع إنتاجية خارج العاصمة يجب أن تكون أولوية للحد من البطالة والفوارق التنموية.
الاستقلال المائي والطاقوي يمثل الأمن المائي أحد أكبر التحديات الوطنية، ما يجعل الاستثمار في قطاع المياه قضية سيادية لا خدمية فقط. ويتطلب ذلك تقليل فاقد المياه، وتوسيع مشاريع التحلية وإعادة الاستخدام، وتطوير الإدارة المائية. وفي هذا الإطار، يشكل مشروع الناقل الوطني للمياه نموذجاً لمشروع استراتيجي يعزز الأمن المائي عبر تحلية مياه البحر الأحمر ونقلها إلى المحافظات، بما يخفف من العجز المائي ويزيد قدرة الدولة على مواجهة آثار التغير المناخي والنمو السكاني. أما في قطاع الطاقة، فالمطلوب التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وتشجيع الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الخارجية المتقلبة.
الاستقلال التعليمي والثقافي لا يمكن بناء استقلال مستدام دون نظام تعليمي حديث. فالتعليم لم يعد مجرد قطاع خدمي، بل أداة لبناء رأس المال البشري وتعزيز القدرة التنافسية للدولة. ويحتاج الأردن إلى تطوير المناهج، وتعزيز مهارات التفكير النقدي والابتكار، وربط مخرجات التعليم بسوق العمل، ودعم البحث العلمي والتعليم التقني. كما أن الاستثمار الثقافي ضروري لحماية الهوية الوطنية وتعزيز قيم المواطنة والانفتاح والاعتدال.
الاستقلال الأمني والدفاعي نجح الأردن خلال العقود الماضية في بناء مؤسسات أمنية وعسكرية محترفة حافظت على استقرار الدولة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. لكن مفهوم الأمن اليوم لم يعد يقتصر على حماية الحدود، بل يشمل الأمن السيبراني، والأمن الغذائي، ومواجهة التطرف والجريمة المنظمة، وتجارة المخدرات العابرة للحدود، والهجمات الإلكترونية. كما أن تطوير الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الأمنية ورفع كفاءة التدريب والتنسيق بين المؤسسات الأمنية يشكل جزءاً.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
