لم تكن المرأة الجنوبية يومًا مجرد حضور عابر في المشهد الإعلامي، بل كانت منذ البدايات الأولى للصحافة في عدن شريكًا حقيقيًا في صناعة الوعي وتشكيل ملامح المجتمع. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، حين كانت عدن منارة للعلم والثقافة والصحافة، برزت أسماء نسائية حملت القلم بمسؤولية، وخاضت معركة الكلمة في زمن كانت فيه المعرفة نفسها فعل مقاومة.
واليوم، ومع التحولات الرقمية واتساع منصات التأثير، بات حضور المرأة الجنوبية أكثر قوة وانتشارًا، لا كناقلة للأحداث فحسب، بل كصانعة للوعي، وحارسة للهوية، وصوت يقارع الظلم ويعيد ترتيب المعاني وسط عالم اختلطت فيه القيم وتبدلت المعايير.
في هذا الاستطلاع، تفتح نخبة من الإعلاميات والناشطات الجنوبيات نوافذ الرأي حول دور المرأة الجنوبية في الإعلام، ورسالتها الوطنية والمجتمعية، والتحديات التي تواجهها، وطموحاتها في صناعة مستقبل أكثر وعيًا وعدالة.
الأديبة والإعلامية زهراء رحمة الله
"المرأة الجنوبية لم تعد ناقلة للخبر.. بل صانعة للوعي"
ترى الأديبة والإعلامية زهراء رحمة الله أن حضور المرأة الجنوبية في الإعلام ليس وليد اللحظة، بل يمتد إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما كانت عدن منارة للعلم والثقافة والصحافة، مؤكدة أن المرأة آنذاك أسهمت بفاعلية في مختلف وسائل الإعلام المتاحة، وقدّمت محتوى تثقيفيًا وعلميًا واجتماعيًا وأسريًا أسهم في رفع مستوى الوعي المجتمعي.
وتؤكد أن المرأة الجنوبية اليوم باتت تمتلك مساحات أوسع وإمكانات أكبر، بفضل التقنية الرقمية والذكاء الاصطناعي وسهولة الوصول إلى المعلومات وأدوات الكتابة والنشر، ما جعل مشاركتها أكثر تنوعًا وتأثيرًا.
وتشير إلى أن دور المرأة الإعلامية لم يعد مقتصرًا على نقل المعلومات، بل تجاوز ذلك إلى صناعة الوعي ، موضحة أن المجتمع الواعي لا يمكن تخديره أو التفريط بحقوقه، لأن الوعي بحسب تعبيرها يبقي الحقوق حاضرة في الوجدان، وجاهزة للمطالبة بها في كل وقت.
كما ترى أن المرأة الجنوبية تخوض اليوم معركة أخلاقية وفكرية مهمة، من خلال محاولتها ترسيخ مفاهيم الخير والحق في زمن اختلطت فيه المعايير وتبدلت القيم، وأصبح فيه الجهر بالباطل سلوكًا مفروضًا على الواقع.
وأضافت أن المرأة بقلمها تسعى إلى بناء واقع أكثر عدلًا وإنصافًا، وتقف في مواجهة الظلم والفساد الذي امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، وسلب الناس أبسط حقوقهم في الأمن والاستقرار ولقمة العيش.
وتختم زهراء رحمة الله حديثها بالتأكيد على إيمانها العميق بقوة الكلمة، قائلة إن الكلمة قد تقطع كالسيف ، لكنها في الوقت نفسه قادرة على الترميم والتليين وفتح أبواب الخير والسعادة أمام الجميع.
الدكتورة أميمة سعدون
"وسائل التواصل منحت المرأة الجنوبية صوتًا واسعًا.. لكنها فتحت أبوابًا جديدة للتحديات"
ترى الدكتورة أميمة سعدون، رئيسة اللجنة التشريعية والقانونية وأستاذ القانون التجاري والبحري والجوي في كلية الحقوق بجامعة عدن، أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا محوريًا في تعزيز حضور المرأة الجنوبية وإيصال صوتها إلى مختلف المستويات المحلية والدولية، خصوصًا في ما يتعلق بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعاني منها المجتمع الجنوبي.
وتؤكد أن منصات مثل فيسبوك و إكس وتيك توك منحت المرأة مساحة أكبر للتعبير عن آرائها بحرية، وأسهمت في وصول رسائلها إلى مختلف الشرائح الاجتماعية داخل الجنوب وخارجه، بل ومكّنتها من نقل معاناة المرأة الجنوبية إلى المجتمع الدولي وإبراز التحديات التي تواجهها في الواقع اليومي.
وأضافت أن هذه الوسائل ساعدت المرأة كذلك على المشاركة الفاعلة في النقاشات العامة المتعلقة بالشأن السياسي والاجتماعي والاقتصادي، كما فتحت المجال أمامها لإطلاق المبادرات التوعوية والخيرية والإنسانية الهادفة إلى مساعدة المحتاجين وتعزيز الوعي المجتمعي.
وفي المقابل، تشير الدكتورة أميمة سعدون إلى أن هذا الحضور الرقمي لم يخلُ من التحديات، موضحة أن العديد من الناشطات والإعلاميات يتعرضن لحملات تشهير وإساءات ممنهجة، وأحيانًا لتهديدات مباشرة بسبب أدوارهن المجتمعية ومواقفهن الإعلامية.
كما لفتت إلى أن بعض المنصات تحولت في أحيان كثيرة إلى ساحات للصراع والتجاذبات، بدلًا من أن تكون فضاءات للحوار البنّاء والنقاش المسؤول حول القضايا التي تمس حياة المواطنين، الأمر الذي يفرض بحسب تعبيرها الحاجة إلى ترسيخ ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر بما يخدم المجتمع وقضاياه الحقيقية.
"حضور المرأة الجنوبية يعكس وعيًا سياسيًا متقدمًا.. لكنه بحاجة إلى التأهيل والدعم"
ترى الدكتورة أماني عنبر أن حضور المرأة الجنوبية في المشهد الإعلامي والسياسي اليوم رغم تفاوت مستوياته يعكس درجة عالية من الوعي والإدراك بالقضية الجنوبية وتعقيدات المشهد السياسي، مؤكدة أن كثيرًا من الكاتبات والإعلاميات الجنوبيات استطعن قراءة ما بين السطور والتعبير عن القضايا الوطنية بوعي ومسؤولية.
وتوضح أنها، بحكم متابعتها للمقالات المرتبطة بالقضية الجنوبية، تولي اهتمامًا خاصًا لما تكتبه المرأة الجنوبية، حيث تلمس في كثير من الطروحات نضجًا فكريًا وفهمًا متقدمًا للقضية والواقع السياسي.
وفي المقابل، تشير إلى أن بعض الإعلاميات الشابات ما زلن بحاجة إلى مزيد من التأهيل وصقل المهارات والخلفية السياسية الناضجة، الأمر الذي يتطلب بحسب تعبيرها اهتمامًا أكبر من قبل الصحفيين والإعلاميين المخضرمين، عبر التدريب والإشراف ومنح الفرص الحقيقية للشابات لإثبات حضورهن وتطوير قدراتهن المهنية.
كما تؤكد الدكتورة أماني عنبر أهمية احتواء المحاولات الإعلامية الجديدة وعدم إحباط الشابات المبتدئات، بل تشجيعهن وتقديم تجاربهن بصورة إيجابية تسهم في دفعهن نحو التطور والتميز، بما يعزز حضور المرأة الجنوبية في الإعلام وصناعة الوعي الوطني.
الدكتورة رشا فريد بن عطاف
"المرأة الجنوبية لم تكن يومًا على الهامش.. بل شريكة في التحرير والبناء وصناعة الوعي"
عبّرت الدكتورة رشا فريد بن عطاف عن سعادتها بالمشاركة في الندوة الموسومة بعنوان المرأة الجنوبية.. صوت القضية الجنوبية وريشة الوعي ، معتبرة أن مثل هذه الفعاليات تمثل مساحة مهمة لتسليط الضوء على أدوار المرأة الجنوبية ومكانتها في مختلف المجالات.
وأشارت إلى أن الندوة ركزت بصورة خاصة على الإعلاميات الجنوبيات، وقدمت خلالها أوراق ونقاشات لعدد من القامات النسوية البارزة في المجال الإعلامي، غير أنها تؤكد أن دور المرأة الجنوبية لا يقتصر على الإعلام فقط، بل يمتد إلى مختلف ميادين الحياة الوطنية والمجتمعية.
وأضافت أن المرأة الجنوبية كانت شريكة للرجل في مسيرة النضال والتحرر، بدءًا من دورها الريادي في مقاومة الاستعمار البريطاني، مرورًا بمشاركتها في الحراك الشعبي الجنوبي ضد الاحتلال اليمني، وصولًا إلى دورها في البناء والتنمية وصناعة الوعي داخل الأسرة والمجتمع.
وترى الدكتورة رشا أن المرأة الجنوبية تؤدي كذلك دورًا محوريًا داخل المنزل، باعتبارها المربية التي تغرس قيم الوطنية والاعتزاز بالهوية الجنوبية في نفوس الأجيال الجديدة، وهو دور لا يقل أهمية عن حضورها في الميادين العامة.
ورغم الاعتراف المتزايد بأدوار المرأة ومكانتها، تؤكد أن حضورها في مواقع القيادة وصناعة القرار ما يزال بحاجة إلى مزيد من الدعم المجتمعي والمؤسسي، مشيرة إلى أن المرأة الجنوبية التي كانت رائدة في مختلف المجالات تستحق أن تستعيد مكانتها الريادية بصورة أكبر.
كما شددت على أن هناك الكثير من النساء والشابات يمتلكن الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية إلى جانب الرجل، الأمر الذي يتطلب فتح المجال أمامهن وتمكينهن من أداء أدوارهن الوطنية والمجتمعية بصورة فاعلة.
الدكتورة حنان محمد فارع :
"الصحفية الجنوبية تواجه تحديات قاسية.. لكنها قادرة على إثبات حضورها"
ترى الدكتورة حنان محمد فارع، التربوية ورئيس لجنة الشؤون الخارجية بالجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي، أن الصحفيات الجنوبيات يواجهن اليوم جملة من التحديات المعقدة التي فرضتها الظروف السياسية والاقتصادية غير المستقرة، والتي انعكست بصورة مباشرة على واقع العمل الإعلامي بشكل عام.
وتوضح أن من أبرز هذه التحديات ضعف الإمكانات وغياب الدعم المؤسسي، إلى جانب محدودية فرص التدريب والتأهيل المهني، الأمر الذي يضاعف من الصعوبات التي تواجه المرأة في المجال الإعلامي.
كما تشير إلى أن بعض الصحفيات ما زلن يواجهن نظرة مجتمعية متحفظة تجاه عمل المرأة في الإعلام، لا سيما عند النزول الميداني أو تناول القضايا السياسية والحقوقية، فضلًا عن حملات التشويه والتنمر التي قد تستهدفهن عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتلفت الدكتورة حنان إلى أن التحديات الأمنية والمعيشية تمثل عبئًا إضافيًا على الإعلاميات، في ظل غياب الاستقرار وتدهور الأوضاع الاقتصادية، مؤكدة أن كثيرًا من الصحفيات يعملن في ظروف صعبة وبدخل محدود، رغم الدور المهم الذي يقمن به في نقل الحقيقة وتسليط الضوء على هموم المجتمع الجنوبي وقضاياه.
وفي حديثها عن الفتيات الراغبات بدخول المجال الإعلامي، تؤكد أن العمل الصحفي يحتاج إلى شغف وصبر وإحساس عالٍ بالمسؤولية، داعية كل فتاة إلى الاهتمام بتطوير نفسها علميًا ومهنيًا، وبناء قدراتها الثقافية والإعلامية، واكتساب مهارات الحوار والتواصل وصياغة المحتوى.
كما شددت على أهمية المصداقية والالتزام بأخلاقيات المهنة، باعتبار أن الإعلام رسالة ومسؤولية تجاه المجتمع، إلى جانب ضرورة الاستفادة من الدورات التدريبية والتقنيات الحديثة والإعلام الرقمي، الذي أصبح جزءًا أساسيًا من العمل الإعلامي المعاصر.
وتؤمن الدكتورة حنان محمد فارع بأن المرأة الجنوبية تمتلك القدرة على إثبات حضورها وتميزها متى ما توفرت لها الإرادة والثقة بالنفس والدعم المناسب، مشيرة إلى أن هناك نماذج نسائية جنوبية استطاعت تحقيق حضور لافت رغم كل الظروف.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من عدن تايم
