في زيارته الأخيرة للصين شعر الرئيس الأمريكي بحفاوة استقبال تعكس التهذيب التقليدي لدى الصينيين، لكن الحفاوة لم تقف حائلاً دون تمرير الرسائل المقصودة إلى الضيف الكبير، وعلى رأسها اثنتان لهما قيمتهما الرمزية. الأولى تتعلق بالندية الكاملة بين البلدين، فالذي استقبل ترامب في المطار هو نائب الرئيس، أما الرئيس شي جين بينغ فانتظره في قصر الشعب، كما يجري عادة مع سواه من الزعماء، دونما استثناء برتوكولي، وذلك ما لا يجرؤ عليه في عالم اليوم سوى الصين وربما العرش البريطاني. والثانية تتعلق بتحذير الرئيس الصيني لضيفه من الوقوع في فخ ثيوسيديدس، والأخير هو القائد والمؤرخ العسكري اليوناني، الذي أرخ للحرب البيلوبونيزية أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، بين إسبرطة القوة البرية الراسخة، وأثينا القوة البحرية الصاعدة آنذاك، والتي حاولت إسبرطة منع صعودها فنشبت الحرب بينهما. حذر الرئيس الصيني نظيره الأمريكي من دور إسبرطة، داعياً إلى علاقة تنافسية تنطوي على تبادل المنافع بين بلديهما بديلاً عن علاقة صراع صفري يخسر فيه البلدان، والعالم.
والحقيقة أن ما طلبه الرئيس الصيني هو ما كانت أمريكا تفعله طيلة الربع الأخير من القرن العشرين. كانت الصين تعيش نهضة شاملة، لكن الفوارق كانت لا تزال كبيرة مع أمريكا، فكانت الأخيرة واثقة بنفسها، وفي النظام العالمي القائم، تُعلي من شأن القواعد القانونية المؤسسة له في العلن حتى لو خانتها في السر، كي لا تبدو وكأنها تنال من الأصول التي شيدتها، ولذا استمر النظام قائماً، بمنظمته الكبرى التي تحتضن مقرها الرئيسي، ومؤسساته الاقتصادية الواقعة تحت سلطانها الفعلي، ما ضمن لها نفوذاً واسعاً وممتداً، نجحت بفضله في إدارة صعود الصين واحتواء طموحاتها، حيث نقلت إليها مصانع الثورة الصناعية الثانية، فاستفادت من ذلك ولو لفترة مؤقتة.
أما اليوم فقد تغير الوضع، وزالت الفوارق بين البلدين في كثير من المجالات، وضاقت في بعضها. نعم لا تزال أمريكا تسبق بخطوة في حقول التكنولوجيا الفائقة، لكن الكتف صار في الكتف، وهو وضع غير مريح لدولة اعتادت الهيمنة المنفردة، يتطلب التكيف معه قدراً كبيراً من حكمة الدولة وحذق النخبة، لا يبدو متوفراً الآن. فالرئيس ترامب، الذي قُدِّر له أن يقود هذه المرحلة في تاريخ الولايات المتحدة يمثل نموذجاً نقيضا للرجل الذي قادها إلى الانتصار في الحرب الباردة، وكذلك للرجل الذي قادها في حقبة العولمة، كونه يسير بسرعة على طريــق السلطوية، ينفرد بالكثير من القرارات، ويتغول علـى سلطة الولايات، وكذلك على سلطات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
