هناك لحظة فارقة فى حياة كل إنسان... لحظة يكتشف فيها أن المعرفة ليست سلّمًا ينتهى إلى يقين، بل بحرٌ كلما أبحر فيه اتسعت شواطئ المجهول أمامه.
فى بدايات الوعى، يظن الإنسان أن الحقيقة بسيطة، وأن العالم يمكن تفسيره بسهولة، وأن امتلاك بعض المعلومات يكفى لفهم الحياة. لكن مع كل قراءة، وكل تجربة، وكل كشف علمى أو إنسانى، تبدأ المفارقة العجيبة فى الظهور:
كلما عرفنا أكثر... أدركنا أننا لا نعرف إلا القليل.
هذه دعوة إلى التواضع الفكرى.
سقراط عبّر عن هذا المعنى حين قال إن حكمته الوحيدة أنه يعرف أنه لا يعرف. والفكرة نفسها ترددت عبر الفلاسفة والعلماء حتى أصبحت من أعمق مفارقات الوعى الإنسانى.
العلم الحقيقى لا يصنع غرورًا، بل يصنع دهشة.
فالطفل يظن أن السماء تنتهى عند حدود بصره، لكن عالم الفلك كلما اكتشف مجرة جديدة أدرك أن الكون أوسع مما تخيله البشر.
وطالب الطب فى عامه الأول يعتقد أن الجسد مفهوم، ثم يكتشف بعد سنوات أن كل خلية تحمل أسرارًا تفوق الخيال.
والفيلسوف الذى يبحث عن معنى الوعى ينتهى غالبًا إلى إدراك أن السؤال أعمق من أى إجابة.
المعرفة إذن لا تقلل الجهل... بل تكشف حجمه.
تخيّل دائرة تمثل ما نعرفه.
كلما اتسعت الدائرة، ازداد أيضًا محيطها الملامس للمجهول.
أى أن اتساع المعرفة يزيد احتكاكنا بما لا نعرفه.
ولهذا فإن أخطر الناس ليسوا الجهلاء، بل أولئك الذين يعرفون القليل ويظنون أنهم يعرفون كل شيء.
أما العلماء الحقيقيون، فتجد فى أعينهم تواضعًا غريبًا.
وفى عصر الذكاء الاصطناعى والانفجار المعلوماتى، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحًا من أى وقت مضى.
لدينا معلومات أكثر من كل العصور السابقة مجتمعة، لكننا ما زلنا نجهل:
ما الوعى؟
ما الزمن؟
كيف بدأت الحياة؟
وما الذى يربط العقل بالمادة؟
بل ربما كل اكتشاف جديد يفتح عشرات الأسئلة الجديدة.
وهنا تكمن عظمة الإنسان...
ليس فى ادعاء امتلاك الحقيقة، بل فى الشجاعة للاستمرار فى البحث عنها.
إن المعرفة الحقيقية ليست حالة وصول، بل حالة سفر دائم.
وكل عقل يظن أنه وصل... يكون قد توقف عن التفكير.
لذلك فإن أجمل ما تمنحه لنا المعرفة ليس الإجابات، بل القدرة على طرح أسئلة أعمق.
وربما لهذا السبب، كلما ارتقى الإنسان فى العلم والحكمة، أصبح أكثر هدوءًا، وأقل ادعاءً، وأكثر إنسا الحقيقية لكل معرفة عظيمة هى التواضع أمام هذا الكون المدهش.
وإدراك أن:
«كلما عرفنا أكثر... اكتشفنا كم نجهل».
لكن هذه الحقيقة لا تنطبق على العلم وحده، بل تمتد أيضًا إلى فهم الإنسان للدين، وللرموز التى صاغ بها أسئلته الأولى عن الكون والحياة والموت.
فالإنسان القديم لم يكن يملك لغة الفيزياء، ولا علوم الأعصاب، ولا علم الكونيات، ولا فلسفات الوعى الحديثة.
كان يرى البرق غضبًا، والرعد إنذارًا، والشمس كائنًا مقدسًا، والظواهر الكبرى رسائل من السماء.
ولأن العقل البشرى يحتاج دائمًا إلى صورة يتخيل بها ما لا يفهمه، ظهرت الرموز والأساطير والتعبيرات المجازية كوسيلة لتقريب المعنى إلى الوعى المحدود فى زمانه.
وهذا ليس عيبًا فى الإنسان، بل جزء.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم
