بين الطاقة والسلاح.. اليورانيوم ليس مجرد معدن في باطن الأرض، بل مادة تعيد رسم معادلات القوة العالمية بين من يملكه ومن يملك القدرة على تحويله إلى نفوذ.. نظرة فاحصة إلى مخزون اليورانيوم حول العالم وأنواعه ووسائل تحويله واستخداماته

في عمق الأرض، وسط صخور تبدو عادية تمامًا، تختبئ مادة قادرة على تشغيل مدن كاملة بالكهرباء أو محو مدن كاملة من الوجود. إنه اليورانيوم، المعدن الثقيل الذي تحوّل خلال القرن الماضي من عنصر مجهول نسبيًا إلى أحد أكثر المواد حساسية وتأثيرًا في السياسة والاقتصاد والأمن العالمي.

ورغم ارتباط اسمه دائمًا بالقنابل النووية والتوترات الجيوسياسية، فإن الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير. فاليورانيوم الذي تعتمد عليه مفاعلات الطاقة النووية في دول مثل فرنسا لتوليد الكهرباء، هو نفسه المادة التي يدور حولها القلق الدولي كلما أعلنت دولة مثل إيران رفع مستويات التخصيب .

لكن ما الذي يعنيه أصلًا يورانيوم مخصب ؟ وكيف يمكن لمعدن موجود طبيعيًا في الصخور أن يتحول إلى وقود يشغّل المفاعلات أو مادة تدخل في صناعة السلاح النووي؟ ولماذا يُنظر إلى نسب مثل 20% أو 60% باعتبارها أرقامًا سياسية بقدر ما هي علمية؟

لفهم ذلك، لا يكفي الحديث عن الفيزياء النووية وحدها، بل يجب فهم كيف أصبح اليورانيوم مادة تعيد تشكيل موازين القوى العالمية، من الطاقة والصناعة إلى الردع العسكري وأسواق الموارد الاستراتيجية.

اكتشاف بدأ قبل أكثر من قرنين رغم ما توحي به كلمة تخصيب من معنى التحويل، فإنها في الحقيقة لا تشير إلى تغيير طبيعة اليورانيوم، بل إلى عملية فصل دقيقة بين نظيرين موجودين أصلًا داخله. فالمقصود علميًا هو زيادة تركيز يورانيوم-235 القابل للانشطار عبر تقليل نسبة يورانيوم-238 الأقل تفاعلية، وليس خلق مادة جديدة.

كيميائيًا، اليورانيوم عنصر معدني ثقيل ومشع موجود طبيعيًا في الصخور والتربة، لكنه لا يأتي في صورة وقود نووي جاهز كما قد يتخيل البعض. فالنوع القادر بسهولة على إنتاج التفاعل النووي، المعروف باسم يورانيوم-235، يشكّل أقل من 1% فقط من اليورانيوم الطبيعي، بينما تهيمن نسخة أخرى أقل قابلية للانشطار تُعرف بيورانيوم-238 على النسبة الأكبر.

ولهذا لا تتمثل المعضلة في العثور على اليورانيوم نفسه، بل في القدرة على فصل هذه الكمية النادرة ورفع تركيزها عبر عملية معقدة تُعرف باسم التخصيب ، وهي الخطوة التي تمنح المادة قيمتها الاستراتيجية الهائلة، سواء في إنتاج الطاقة النووية أو في التطبيقات العسكرية.

اكتُشف عنصر اليورانيوم لأول مرة عام 1789 على يد الكيميائي الألماني مارتن هاينريش كلابروت، الذي أطلق عليه هذا الاسم تيمّنًا بكوكب أورانوس المكتشف حديثًا آنذاك. لكن العالم لم يدرك أهميته الحقيقية إلا بعد أكثر من قرن، حين قادت تجارب العالمين الألمانيين أوتو هان وفريتس شتراسمان إلى اكتشاف أن إحدى نظائر اليورانيوم قادرة على الانقسام وإطلاق كميات هائلة من الطاقة، قبل أن تفسّر الفيزيائية النمساوية-السويدية ليز مايتنر هذه الظاهرة نظريًا باعتبارها انشطارًا نوويًا ، في اكتشاف غيّر مسار القرن العشرين ووضع اليورانيوم في قلب سباق الطاقة والتسلح العالمي.

في الاستخدامات السلمية، يدخل اليورانيوم عالي التخصيب أو المنخفض التخصيب في قلب منظومة الطاقة النووية التي تعتمد على التحكم في التفاعل الانشطاري داخل مفاعلات مُصمَّمة بدقة. هنا لا يُسمح للتفاعل بأن يتسارع بشكل خارج عن السيطرة، بل يُدار ليولد حرارة تُستخدم في إنتاج البخار، الذي بدوره يشغّل توربينات تولد الكهرباء بكفاءة عالية وانبعاثات كربونية شبه معدومة.

كما تُستخدم نظائر ناتجة عن هذه العمليات في الطب النووي، خصوصًا في تشخيص وعلاج بعض أنواع السرطان، ما جعل اليورانيوم جزءًا من بنية علمية وصناعية معقدة تخدم مجالات مدنية واسعة.

يُعد اليورانيوم منخفض التخصيب (عادة بين 3% و5% من يورانيوم-235) الوقود الأساسي لمعظم مفاعلات الطاقة النووية في العالم، حيث يُستخدم لتوليد الكهرباء عبر التحكم في التفاعل الانشطاري داخل قلب المفاعل. على سبيل المثال، تعتمد فرنسا بشكل كبير على الطاقة النووية، إذ تُولّد نحو 60 70% من كهربائها من المفاعلات النووية وفق بيانات الجمعية النووية العالمية، ما يجعلها من أعلى الدول في العالم اعتمادًا على هذا المصدر للطاقة.

كما تشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن الطاقة النووية توفر حوالي 10% من إجمالي الكهرباء العالمية، وتُعد من أقل مصادر الطاقة من حيث الانبعاثات الكربونية مقارنة بالوقود الأحفوري.

في المجال الطبي، لا يُستخدم اليورانيوم مباشرة، بل تُستثمر نواتج انشطاره داخل المفاعلات في إنتاج نظائر مشعة مثل الموليبدينوم-99، الذي يُعد أساسًا لتوليد النظير Tc-99m المستخدم على نطاق واسع في تشخيص الأمراض، بما في ذلك الأورام، عبر أكثر من 40 مليون إجراء طبي سنويًا حول العالم وفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وبهذا المعنى، يصبح اليورانيوم جزءًا غير مباشر من منظومة الطب النووي، حيث ينتقل من مادة عالية الحساسية إلى ركيزة في البنية التحتية.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من فوربس الشرق الأوسط

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من فوربس الشرق الأوسط

منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 26 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ 9 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 6 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 44 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ 19 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 5 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 17 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 21 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعتين