يُعد مفهوم اختراع التقاليد (The Invention of Tradition) الذي صاغه المؤرخ إريك هوبزباوم (Eric Hobsbawm) مدخلا سوسيولوجيا جوهريا لفهم التحولات البصرية والبروتوكولية التي تشهدها ممارسات السلطة في الجزائر خلال العهد الحالي.
فعندما نراقب المشهد الإعلامي الذي يحيط بالرئيس عبد المجيد تبون في المناسبات الدينية الكبرى، كصلاة عيد الأضحى، نلحظ محاولة دؤوبة لتشييد هيبة مؤسساتية عبر توظيف عناصر تراثية ورمزية لم تكن جزءاً من العقيدة البروتوكولية للجمهورية الجزائرية منذ 1962.
إن هذا التوجه الحديث في اختراع التقاليد لدى النظام الجزائري الحالي، يمثل استراتيجية واعية تهدف إلى إضفاء صبغة تاريخية و عريقة على نظام سياسي تأسس على جمهورية حديثة النشأة، وقام أساسا على القطع التاريخي مع الأنساق الملكية أو المخزنية التي تميز الجوار الإقليمي، والتي يعتبرها في خطابه الرسمي أنساقا مخزنية بائدة، مما يطرح تساؤلات حول الدوافع الكامنة وراء هذا التوجه الجديد لدى السلطة الحاكمة في الجزائر نحو تبني الطقوس المخزنية العريقة التي تتميز بها المناسبات الدينية المغربية.
إن هذه الهندسة الجديدة لمشهد السلطة الجزائرية وهي تخترع طريقة جديدة ضمن بروتوكولاتها في التعامل مع المناسبات الدينية، هي محاولة منها لعرض صورة الدولة المهيبة، باللجوء لأداء الصلاة في مواكب رسمية، رغبة في خلق مركز ثقل رمزي يفتقر إليه النظام، عبر محاكاة المظاهر الخارجية للهيبة المؤسساتية التي تتمتع بها الدول ذات الجذور التاريخية المتصلة.
وبينما كانت البروتوكولات الجمهورية السابقة تكتفي بظهور الرئيس كمسؤول مدني في إطار إجراءات إدارية وأمنية محضة، نجد أن التغطية الإعلامية الحالية تعمد إلى تكرار زوايا تصوير محددة، وإبراز تفاصيل زي جدبد يُراد أن يترسخ في الأذهان على أنه زي تقليدي، وتوظيف الموكب الرسمي لإعطاء انطباع بالاستمرارية والرسوخ، وهي محاولة لإعادة صياغة الأرشيف البصري للرئاسة لتبدو وكأنها امتداد لتقاليد ضاربة في القدم.
لكن، على المستوى الأنثروبولوجي، يظل الفارق جوهريا بين الطقس المتوارث الذي يستمد شرعيته من التاريخ، وبين البروتوكول المصطنع الذي يستمد شرعيته من الصورة .
ففي الحالة المغربية، يمارس النظام الملكي طقوسه كجزء من بنية دستورية وروحية متأصلة، حيث لا يعدو الإعلام الرسمي كونه موثقا لطقس موجود أصلا في وجدان الأمة.
أما في التجربة الجزائرية الراهنة، فإننا أمام مشهدية احتفالية تُصمم خصيصا للكاميرا، حيث يعمل الزي التقليدي كدال ثقافي يُوظف لسد الفجوة بين الدولة ومكوناتها المجتمعية، وكمحاولة لأبراز خصوصية ما، في سياق إقليمي يحاول فيه النظام الجزائري بناء صورة دولة تتنافس على إرث ثقافي ذي رمزية سياسية يفتقدها في الأصل.
إن استعارة الطقوس والتقاليد المخزنية المغربية التي ينتهجها النظام الجزائري الحالي تفتقر إلى الروح التاريخية التي تمنح الطقوس مصداقيتها العميقة، إذ إن اختراع التقاليد لا يمكن أن يحل محل التقاليد النابعة من عمق التجربة السياسية والاجتماعية للدولة.
وكباحثين في الإعلام، ندرك أن هذه المحاولات لردم الفجوة بين النظام السياسي والهوية التقليدية عبر الهندسة البصرية ليست إلا عرضا من أعراض البحث عن شرعية مفقودة في فضاءات الافتراض والتمثيل، حيث يتم استبدال العمق التاريخي المتصل بصناعة المشهد الذي يحاول أن يختزل التاريخ في لقطة إخبارية واحدة.
وهذا ما كان.
* الدكتور أحمد الدافري / خبير في علوم الإعلام
هذا المحتوى مقدم من Le12.ma
