بعد عقود من التطوير، دخلت مراقبة الحياة البرية مرحلة جديدة، فالقمر الصناعي الجديد "إيكاروس" يتتبع إشارات خفية في سلوك الحيوانات

يمكننا الآن تتبع هلع الحيوانات من الفضاء، ما أهمية ذلك؟ صدر الصورة، Sergio Izquierdo

بعد عقود من التطوير، دخلت مراقبة الحياة البرية مرحلة جديدة. فالقمر الصناعي الجديد "إيكاروس" يتتبع إشارات خفية في سلوك الحيوانات، قد تساعد في إنقاذ حياة الفهود ووحيد القرن والفيلة.

في صباح عاصف مع بداية الشتاء في ناميبيا، تتوقف شاحنة صغيرة عند طرف محمية أوكامبارا إلفانت لودج، وهي محمية خاصة للحياة البرية تبعد نحو 161 كيلومتراً عن العاصمة ويندهوك. تترجل امرأتان ورجلان، أحدهم يحمل بندقية، ويقفون فوق التربة الحمراء.

في شهر يونيو/حزيران، تبدو أوكامبارا مساحة جافة من الأشجار الشائكة والشجيرات. ورغم سطوع الشمس، تبقي الرياح الباردة حيوانات المحمية في حالة تأهب. فالنوّ والحمر الوحشية والزرافات تلتقط الروائح التي تحملها الرياح، وقد تنذرها بخطر يتحرك بين الأحراش. لكن المتسللين المهرة يظلون مختبئين عكس اتجاه الريح.

ومع اقتراب الصيادين من الطرائد، يدوي صوت البندقية. ينتشر الهلع بين الحيوانات: تقفز ظباء السبرينغبوك، وتنطلق الحمر الوحشية القلقة في ركض سريع، وتلتف حيوانات النوّ وتهرب، بعضها لا يتوقف إلا بعد مئات الأمتار، مندفعاً بعيداً عن الخطر نحو السهول المالحة المفتوحة في أوكامبارا.

وبات العلماء قادرين الآن على دراسة هذه الإشارات التي يتركها هلع الحيوانات، بفضل نظام قمر صناعي جديد يدعى "إيكاروس"، يتتبع حركة الحيوانات وسلوكها من الفضاء على نطاق غير مسبوق. ومن خلال مراقبة الطريقة التي تتفاعل بها الحيوانات مع وجود متسللين من البشر، يأمل دعاة حماية الطبيعة في تحديد مواقع الصيادين غير الشرعيين والتصدي لهم.

أنماط الهلع على مدى ثلاثة أيام في منتصف عام 2024، نفّذ المتسللون في أوكامبارا نحو 30 جولة إطلاق نار، وجرى توثيقها كلها بعدسة طائرة مسيّرة تحلق في الأعلى. ومن هذا المنظور الجوي، يتكرر مشهد التشتت السريع مرة تلو أخرى، فيما ترسم الحيوانات أنماطاً مميزة من الهلع والانسحاب.

يطلق فريق الصيد عشرات الطلقات فتتفرق الطرائد، باستثناء الزرافات التي تبقى غالباً غير متأثرة، تراقب بهدوء من موقعها المرتفع. ومع ذلك، لم تسقط أي ضحية ببندقية الصيادين بحلول نهاية الأسبوع. فخلافاً للصيادين غير الشرعيين الذين قتلوا مئات من حيوانات وحيد القرن في جنوب أفريقيا، لم يأتِ هذا الفريق للقتل، بل يضم علماء يحاولون محاكاة اقتراب تهديد قاتل بأكبر قدر ممكن من الواقعية.

هؤلاء المتسللون المسلحون، وهم عالم طيور وصياد طرائد محترف وباحثان في الحياة البرية، يشاركون في تجربة لتطوير نظام تتبع فوري قد ينقذ حياة بعض أكثر الحيوانات الأفريقية عرضة للاتجار غير المشروع. ومن خلال تسجيل الأنماط المميزة التي ترسمها أنواع مختلفة من الحيوانات عندما تتفاعل مع وجود صياد، يأمل الفريق في تدريب خوارزمية قادرة على إرسال إنذار مبكر إلى حراس المحميات.

تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءة

الأكثر قراءة نهاية

ولا تزال أنظمة الإنذار هذه قيد التطوير في المحميات الطبيعية. لكن الإطلاق الأخير لقمر صناعي لتتبع الحياة البرية، تمّت تسميته بـ"إنترنت الحيوانات"، يهدف إلى ربط هذه الجهود ضمن نظام عالمي حقيقي للتنبيهات الفورية.

صدر الصورة، Max Planck Institute of Animal Behavior

تخطى البودكاست وواصل القراءة يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

أصبحت أوكامبارا، وهي محمية منبسطة تبلغ مساحتها 169 كيلومتراً مربعاً، "الموقع المثالي لاختبار النظام"، بحسب سييرا جين ماتينغلي، عالمة البيئة في معهد ماكس بلانك لسلوك الحيوان في ألمانيا. ففي هذه المحمية، زُوّد خمسة في المئة من الحيوانات الكبيرة بأجهزة تتبع تعمل بنظام تحديد المواقع، وتراقب مواقعها باستمرار. لكن الهدف الأبعد هو مساعدة الحياة البرية في أكثر مناطق العالم هشاشة.

وتساعد الدروس المستخلصة من أوكامبارا في المعركة ضد الصيادين غير الشرعيين في المتنزهات الوطنية في جنوب أفريقيا، التي تضم أكبر تجمع لوحيد القرن في العالم. كما تهدف إلى حماية الحيوانات التي تتحرك بحرية في أماكن لا تخضع حالياً للمراقبة، مثل حوض الكونغو.

ويجسد المشروع حلماً قديماً لمارتن فيكيلسكي، عالم الطيور الموجود في أوكامبارا. وفيكيلسكي، وهو من أبرز علماء بيئة حركة الحيوانات في العالم ويرأس معهد ماكس بلانك، يأمل في تزويد 100 ألف حيوان حول العالم بأجهزة تتبع بحلول عام 2030، بهدف فهم الإشارات الخفية في سلوك الحيوانات. ويوضح أن الحيوانات، عندما ترسل بيانات حركتها إلى أبراج استقبال أو أقمار صناعية، يمكن أن تعمل معاً كـ"حراس" يحمون كائنات نادرة ضخمة مثل وحيد القرن.

ويقول فيكيلسكي، وهو يقف خلف نموذج لقمر صناعي يُدعى "إيكاروس" خلال مؤتمر جائزة ويتلي للحفاظ على البيئة في لندن، قبيل إطلاق المشروع في نوفمبر/تشرين الثاني: "لدينا حيوانات أخرى تحمي وحيد القرن، لأنها تخبرنا عندما يأتي الجزارون".

فمن خلال إضافة أجهزة صغيرة تثبت على الأذن، يمكن تحويل الحيوانات المنافسة لوحيد القرن والمفترسات القريبة منه إلى حماة له. وهكذا تصبح الفهود والحمر الوحشية والزرافات حليفة له، بل ربما تكون الزرافات تحديداً من أفضل الحراس، لأن هذه الحيوانات طويلة الأعناق غالباً ما تبقى ثابتة، تراقب التهديدات من مسافة آمنة، وتوجه رؤوسها كلها نحو اتجاه الصيادين غير الشرعيين، بحسب فيكيلسكي. ويضيف: "وهكذا نعرف أين يوجد الجزار".

ساعات ذكية للحياة البرية تقوم هذه الرؤية الطموحة لحياة برية متصلة عبر الشبكات على قطع إلكترونية صغيرة تحملها الآن آلاف الحيوانات. ويقول تيم وايلد، وهو مهندس كهربائي في معهد ماكس بلانك، إن أجهزة تتبع الحياة البرية أصبحت أشبه بعجائب مصغّرة. فبعضها لا يكتفي بتحديد موقع الحيوان عبر نظام GPS، بل يرصد نشاطه ومعدل ضربات قلبه وحرارة جسمه، ويعمل أيضاً كمستشعر متنقل يقيس درجة الحرارة المحيطة والضغط الجوي.

وأصبحت أجهزة التتبع اليوم صغيرة بما يكفي لتحملها الطيور، أو حتى الفراشات، مثل الشريحة التي لا يتجاوز حجمها حبة أرز، وطورتها شركة "سيلولار تراكينغ تكنولوجيز" في نيوجيرسي لتتبع فراشات المونارك أثناء هجرتها آلاف الأميال عبر أمريكا الشمالية. ويوضح وايلد أن هذه المستشعرات المتقدمة تعمل بمكثفات فائقة، وهي بدائل طويلة العمر للبطاريات ويمكن إعادة شحنها بسهولة. وقد يتيح ذلك معرفة أين تمضي الأنواع المعمّرة كل يوم من حياتها. ويقول وايلد بحماس: "أصبح تتبع الحيوانات طوال حياتها تحدياً حُلّ جزء منه الآن".

صدر الصورة، Max Planck Institute of Animal Behavior

ويتجاوز كل واحد من هذه الابتكارات عيباً أساسياً في تقنية مستخدمة منذ عقود. فقد استُخدمت أجهزة تتبع الحيوانات لأول مرة عام 1970، حين زوّد باحثون في وايومنغ أنثى أيل تُدعى مونيك بطوق فضائي يزن 10 كيلوغرامات، وكان يبث إشارة تماثلية عبر تردد VHF. وفي العقود التالية، كشفت أجهزة مشابهة معلومات جديدة عن هجرات الحيوانات ذات الحوافر ورحلات الحيتان. لكن تلك الأجهزة القديمة والثقيلة ظلت محدودة ودقتها منخفضة. وبعد نحو أربعة عقود، كانت لا تزال ثقيلة جداً على 75 في المئة من الطيور والثدييات.

بدأ وايلد، وهو مهندس كهربائي عمل مع شركات سيارات مثل دايملر وميتسوبيشي، العمل في مجال الحياة البرية عام 2019، وفوجئ بمدى بدائية التقنيات المستخدمة في الأبحاث العلمية. ففي العقد السابق، انتشرت مستشعرات "إنترنت الأشياء" الرقمية على نطاق واسع، مدفوعة بتطور التقنيات الاستهلاكية. وأصبحت أجهزة التتبع قادرة على القياس بدقة تصل إلى مستوى السنتيمترات، كما باتت أنظمة التتبع الذكية قادرة على تحديد موقعها حتى عندما ينقطع الاتصال بالأقمار الصناعية، كما يحدث عندما تدخل سيارة تعتمد على نظام GPS إلى نفق أو منطقة محجوبة بين ناطحات السحاب.

ويقول وايلد: "إذا وضعت هذه التقنية على طائر أو قرد، يمكنك فجأة أن ترى أين يجلس على الشجرة وما الذي يأكله فعلاً".

التكنولوجيا في الوحل سعى فريق وايلد، الذي يضم نحو 12 باحثاً في معهد ماكس بلانك، إلى سد "الفجوات الهائلة" بين التقنيات المتاحة في الأجهزة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
منذ 9 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ ساعتين
منذ 6 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 4 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 5 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 12 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 14 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ ساعتين
قناة روسيا اليوم منذ 4 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 3 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 14 ساعة