وكالة السداد الإخبارية تتابع آخر التطورات المحلية والدولية عبر مصادر إعلامية متعددة.
تحت أطنان من الخرسانة المسلحة في قبو سري شمالي شرق أوكرانيا، لا يُقاس الوقت بدقات الساعات المعلقة على الجدران الباردة، وإنما بوتيرة استنزاف قذائف المدفعية وأرواح المقاتلين في الخنادق الأمامية.
هنا، تقترب الحرب الدامية بين كييف وموسكو بخطى متسارعة من عنق زجاجة خانق؛ فيتحول الميدان الشاسع إلى مسلخ ديموغرافي، حيث تُقاس الانتصارات بالأمتار المربعة وبحجم الخسائر المُلحقة بالخصم.
رهان على الحسم الزمني
مع تراجع العمليات الكبرى، انتقلت المواجهات بشكل ملحوظ من مرحلة المناورات السريعة واختراق الجبهات إلى حرب استنزاف خنادق تُذكر بأدبيات الحرب العالمية الأولى.
هذا التحول الجذري في طبيعة المعركة جعل من استراتيجية البقاء واقفًا العقيدة العسكرية الأهم لكلا الطرفين. وهو ما بدا واضحًا في تصريحات قائد الفيلق الثالث للجيش الأوكراني، البريجادير جنرال أندري بيليتسكي، الذي حدد في حديث خاص لرويترز إطارًا زمنيًا صارمًا يتراوح بين 6 إلى 9 أشهر لإحداث ما وصفه بنقطة تحول كبرى في مسار المعارك الطاحنة بين كييف وموسكو.
بيليتسكي، الذي يمتلك خلفية سياسية يمينية كزعيم ومؤسس لكتيبة آزوف المتمرسة ويقود حاليًا تشكيلات عسكرية قوامها عشرات الآلاف من المقاتلين، لا يطلق هذه التقديرات من فراغ؛ فالخطة الأوكرانية التي يديرها تعتمد بشكل أساسي على مراكمة الزخم الهجومي وتوجيهه كنقطة ارتكاز لاستغلال حالة التعب الشديد التي تضرب وحدات المشاة والمدرعات الروسية، بغرض انتزاع المبادرة التكتيكية على خطوط التماس المشتعلة ونقل المعركة إلى مناطق تسيطر عليها موسكو.
وبالتوازي مع الجهد العسكري، تسعى القيادة السياسية في كييف بقوة لتحويل هذا الزخم الميداني المرتقب إلى ورقة ضغط سياسية صلبة، تُجبر موسكو في النهاية على التخلي عن طموحاتها الاستراتيجية لابتلاع ما تبقى من مساحة إقليم دونيتسك الشرقي.
ولأن الاستراتيجية الأوكرانية تعي تمامًا أن الذهاب إلى أي محادثات سلام في ظل التراجع الميداني يعني الاستسلام المُقنع، يبقى التفاوض من موقع قوة هو الهدف الاستراتيجي الأسمى لتأمين هدنة مستقرة حقيقية تتجاوز فخاخ الخرائط المؤقتة التي قد تستغلها روسيا لإعادة تنظيم صفوفها.
روسيا.. هل العيوب هيكلية أم تكتيكية؟
هذه التطلعات الأوكرانية ليست مجرد أماني، وهي تتقاطع بشكل مباشر مع تقييمات استخباراتية وبحثية ترصد تراجع كفاءة الآلة العسكرية الروسية بعد شهور متصلة من الهجمات المكلفة؛ إذ يؤكد جون هيلين الباحث الخبير في مجموعة بلاك بيرد لتحليل الصراعات (مقرها فنلندا)، في قراءته للمشهد، أن القوات الروسية ستصل حتمًا إلى ذروة الإنهاك المادي والبشري خلال الأشهر الأربعة أو الخمسة القادمة.
والتآكل هنا يأتي نتيجة الاعتماد الروسي الكثيف على موجات الهجوم البشري المتعاقبة التي تستنزف الأفراد والعتاد لتحقيق مكاسب جغرافية محدودة، ما يخلق فجوات وثغرات يُمكن للجيش الأوكراني اختراقها إذا تبنى هجمات متوسطة المدى وتقدم بحذر مدروس.
يتفق مع هذا الطرح تقرير صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية، الذي نُشر أمس وأشار أيضًا إلى أن المشاكل التي تواجهها القوات الروسية في منتصف عام 2026 أصبحت ذات طبيعة هيكلية ونظامية أعمق بكثير مما كانت عليه في الأعوام السابقة؛ فالآلة الروسية تعاني بوضوح من إجهاد خطوط الإمداد وصعوبة الحفاظ على زخم الهجوم المستمر على جبهات متعددة في وقت واحد.
وقد يمنح هذا التصدع البنيوي المتزايد داخل التشكيلات الروسية، كييف نافذة تكتيكية نادرة وثمينة لشن هجمات مضادة متعاقبة تكسر شوكة التقدم الروسي، شريطة أن تحسن أوكرانيا إدارة مواردها الشحيحة بطريقة تمنع استنزاف قواتها المهاجمة.
أوكرانيا.. عنق الزجاجة الديموغرافي
رغم المؤشرات السلبية التي تتراكم داخل المعسكر الروسي، فإن الطموحات الهجومية لكييف تصطدم هي الأخرى بجدار ديموغرافي قاسٍ يهدد بتقويض خطط استعادة الأراضي على نطاق واسع؛ فالمعضلة الأوكرانية لا تتعلق فقط بما إذا كانت موسكو تتعب، وإنما بما إذا كانت كييف تملك ما يكفي من الأفراد المدربين والقادرين على استغلال هذا التعب قبل أن يتحول إلى أزمة أوكرانية داخلية.
في حلقة نقاش نظمها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أوائل أبريل الماضي، برزت صورة أكثر تركيبًا لطبيعة الضغط الواقع على الجيش الأوكراني.
الجلسة، التي استضافت متحدثين أوكرانيين منخرطين في المنظومة الدفاعية، ناقشت كيف تكيفت المؤسسة العسكرية الأوكرانية تحت النار عبر مسارات ثلاث مترابطة: الدفاع الجوي، والتدريب، والتطوير التكنولوجي. وهذا مهم؛ لأنه يضع أزمة القوى البشرية داخل سياق أوسع: جيش يحاول القتال وإعادة البناء والتحديث في الوقت نفسه.
من هذه الزاوية، لا تبدو المشكلة محصورة في نقص الأفراد فقط، لكنها تمتد إلى قدرة كييف على تدريب وتجهيز وحدات جديدة بسرعة كافية، ثم دمجها في بيئة قتال تتغير باستمرار بفعل المسيّرات، والحرب الإلكترونية، والاستهداف الروسي المتواصل.
كما أن هذا المسار يفرض عبئًا إضافيًا على التشكيلات الحديثة، ومنها الفيلق الثالث، لأن المطلوب منها ليس مجرد الثبات في الخطوط الأمامية، بقدر التكيف السريع مع نموذج حرب يتبدل تقريبًا من شهر إلى آخر.
وتعزز التقارير الميدانية الغربية هذه الصورة، إذ تشير تحقيقات مفصلة إلى أن المجهود الحربي الأوكراني يعاني من فجوة تجنيد طاحنة تمثل إحدى أخطر نقاط الضعف في الاستراتيجية الأوكرانية.
ورغم ضخامة حجم الجيش على الورق، فإن جزءًا معتبرًا من القوة البشرية يتمركز في أدوار الدعم والخلفيات اللوجستية، بينما تبقى الحاجة شديدة إلى جنود المشاة القادرين على تحمل كلفة القتال المباشر وتعويض الخسائر المستمرة في الجبهات الساخنة.
وفي المقابل، تُدرك موسكو هذه المعضلة جيدًا، وتتعامل معها باعتبارها فرصة استراتيجية لا تقل أهمية عن التقدم الميداني نفسه.
لذلك، يُصبح رهان الاستنزاف الروسي قائمًا على فكرة واضحة: إطالة أمد المعركة إلى الحد الذي تتحول فيه أزمة المشاة الأوكرانية من تحدٍ عسكري قابل للإدارة إلى اختناق بنيوي يحد من قدرة كييف على المناورة والهجوم وفرض شروطها على أي تسوية مقبلة.
معضلة دونيتسك.. أين نقف الآن؟
وسط هذا الصراع الدموي، يُشكل إقليم دونيتسك، بشبكاته الصناعية وموقعه الجغرافي، حجر الزاوية ومربط الفرس في أي مفاوضات سلام ترعاها الولايات المتحدة. وهي تصطدم حاليًا بجمود كامل في المواقف الدبلوماسية؛ فالإدارة الروسية تُصر بشكل قاطع على السيطرة الشاملة والاعتراف بضم الإقليم كشرط مسبق لأي تسوية مستقبلية محاولة فرض سياسة الأمر الواقع.
وفي الجانب الآخر، ترفض كييف قطعيًا تقديم أي تنازلات سيادية عن الأراضي التي استعصت على آلة الحرب التابعة لموسكو، معتبرةً أن أي تراجع في دونيتسك سيمثل ضربة قاتلة لشرعية المعركة بأكملها ورسالة ضعف قد تفكك التحالف الغربي الداعم لها.
وتتزامن هذه التعقيدات الميدانية المتقاطعة مع إشارات سياسية محسوبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي صرح مرارًا بأن الحرب تقترب من نهايتها، متمسكًا بفرض شروطه السياسية والميدانية لإنهاء الصراع الدامي سواء عبر طاولة التفاوض إذا استجابت كييف لمطالبه، أو عبر الحسم العسكري العنيف.
وهذه التصريحات تُزيد بدورها من الضغط النفسي والزمني على القيادة الأوكرانية، وتجعل من الأشهر الستة القادمة التي أشار إليها الجنرال بيليتسكي نافذة بقاء ضرورية يجب استغلالها قبل أن تفرض الإرادة السياسية الدولية واقعًا لا يخدم مصالح أوكرانيا.
حتمية الخرائط الدامية
هذه المقدمات كلها تقول إن التحول المنتظر والموعود في الأشهر الستة المقبلة ليس بالضرورة انهيارًا عسكريًا دراماتيكيًا وشاملًا في الجبهات الواسعة، وإنما قد يكون لحظة عجز رياضي قاسية يتجاوز فيها معدل الخسائر المادية والبشرية قدرة أي طرف على الاستمرار في القتال بنفس الوتيرة.
والمؤكد الآن أن الإطار الزمني الذي حددته كييف سيختبر بشكل حاسم ما إذا كانت القوات الأوكرانية قادرة فعليًا على استغلال التصدع الهيكلي في الجيش الروسي وتوجيه ضربات موجعة ومؤثرة، قبل أن تنفد دماء قواتها تمامًا بفعل الفجوة الديموغرافية الخانقة التي تضيق عليها يومًا بعد يوم.
ليبقى التساؤل الحقيقي والجوهري الآن لا يدور حول من سيطلق الرصاصة الأخيرة في هذه الحرب المفتوحة، وإنما من سيمتلك رفاهية البقاء واقفًا وعلى قيد الحياة ليرسم حدود الخرائط الجديدة ويفرض شروطه حينما تصمت المدافع نهائيًا وتُجبر الأطراف على الجلوس إلى الطاولة؟
المصدر: وكالات
هذا المحتوى مقدم من وكالة السداد الاخبارية




