هكذا، لم يأتِ الطريق الرابع مجرد إضافة إلى المشهد السياسي، ولا امتدادًا خطيًا لتجارب سابقة، بل وُلد من حاجة نقدية وتاريخية إلى إعادة مساءلة الفكرة السياسية ذاتها، وإلى مراجعة أدوات الفعل والتغيير وأسئلتهما. وقد جاء في لحظة دقيقة أعادت طرح سؤال اليسار من جديد: هل ما يزال اليسار إطارًا لتحرير الإنسان والمجتمع؟ أم أنه تحوّل، في بعض مساراته، إلى نسق مغلق يعيد إنتاج ذاته أكثر مما يقرأ الواقع ويصغي لتحولاته؟
هذا هو السؤال الذي يفتحه الطريق الرابع بكل جرأة ووضوح، ومن دون مواربة أو لغو؛ ليس من موقع القطيعة مع تاريخ اليسار، ولا من موقع الإنكار لتضحياته ورمزيته، بل من داخل الحاجة إلى تجديده، وتحرير الفكرة من كل ما علق بها من يقينيات جامدة، حتى تستعيد السياسة معناها باعتبارها فعلًا نقديًا مفتوحًا على المجتمع، لا خطابًا مغلقًا يُفرض عليه من خارجه.
لقد عرف اليسار المغربي تحولًا تدريجيًا من حركة فكرية نقدية إلى وعي إيديولوجي متماسك، لكنه صار، في كثير من الأحيان، وعيًا يميل إلى تحويل المجتمع إلى صورة فكرية جاهزة. بمعنى آخر، لم يعد المجتمع يُفهم في تعدده وتعقيده، بل صار يُرى من خلال عدسة واحدة تنتمي إلى جماعة أو جماعات فكرية تدّعي امتلاك تفسير كلي للعالم.
هنا يحدث التحول الحاسم: حين تتحول الفكرة من أداة للفهم إلى سجن للتفسير. فاليسار، في بعض تجاربه التاريخية، لم يكتفِ بقراءة المجتمع، بل سعى إلى إعادة صياغته داخل نموذج فكري مثالي مسبق. غير أن الأفكار، حين تُنزع من طابعها النقدي المفتوح، لا تبقى بريئة؛ إذ سرعان ما تتحول إلى عقيدة مغلقة، ثم إلى إيديولوجيا تدّعي امتلاك الحقيقة وتقديم تفسير شامل لكل شيء، وتطالب الفرد بأن يرى العالم فقط من داخلها. ويصبح أي نقد أو تجديد أو محاولة للفهم نوعًا من التشويش على المشروع، أو فعلًا مشبوهًا يُنسب إلى خصومه وأعدائه.
في هذا السياق، يطرح الطريق الرابع نفسه بوصفه محاولة متواضعة لتحرير الفكرة من هذا الانغلاق، دون الوقوع في وهم نهاية الإيديولوجيا . فالعالم المعاصر لا يعيش فراغًا إيديولوجيًا، بل يعيش، على العكس من ذلك، تضخمًا في الإيديولوجيات الجديدة: إيديولوجيا السوق، وإيديولوجيا الهوية، وإيديولوجيا التقنية، بل وحتى إيديولوجيات رقمية ناعمة تتخفى داخل المنصات والشبكات، بينما تستمر الإيديولوجيات القديمة في إعادة إنتاج صراعاتها بأشكال مختلفة.
من هنا، لا يدعو الطريق الرابع إلى إلغاء الفكرة، بل إلى التمييز الدقيق بين الفكرة التي تُنير الإنسان وتلك التي تستعبده. فالأولى تبقى مفتوحة، قابلة للنقد والتعديل، وتنتج أسئلة أكثر مما تنتج يقينيات. أما الثانية فتتحول إلى نظام مغلق يطلب من الفرد الطاعة المعرفية بدل التفكير.
ومن هذا المنطلق، نرحب بكل الانتقادات الفكرية والعلمية والموضوعية، كيفما كان نوعها أو شكلها أو حدتها، وفي الآن نفسه نرفض كل أشكال النعوت الجاهزة والتخوين والاتهامات التي ألفناها من حراس المعبد ومن يخشون فتح النقاش الحر.
الإشكال الأعمق الذي يطرحه الطريق الرابع اليوم هو:
هل يمكن أصلًا التحرر من الإيديولوجيا بشكل كامل؟ أم أن الادعاء بالتحرر منها قد يتحول بدوره إلى إيديولوجيا جديدة، خفية وغير معلنة؟
بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بالهروب من الإيديولوجيا، بل بإعادة ضبط علاقتنا بها: كيف نمنع الفكرة من أن تتحول إلى قيد؟ وأين يقع الحد الفاصل بين الإيمان بفكرة من أجل تغيير الواقع، وبين التحول إلى أسير لها دون وعي؟
ومن هنا يبرز أيضًا سؤال حساس داخل مشروع الطريق الرابع مغرب المستقبل :
هل يحتاج اليسار اليوم إلى الإيديولوجيا كي يستمر كقوة تغيير؟ أم أن استمراره مرهون بقدرته على التخلي عن الشكل الإيديولوجي المغلق لصالح فكر نقدي مرن، يشتغل داخل المجتمع لا فوقه؟
إن قوة أي مشروع فكري أو سياسي لا تُقاس بصلابة عقيدته، بل بقدرته على البقاء مفتوحًا، وقابلًا للنقد، ومتصالحًا مع تعقيد الواقع بدل تبسيطه.
الإيديولوجيا بين الوعي والتحول التاريخي.
فمن منظور الطريق الرابع ، لا يُفهم الوعي الإيديولوجي باعتباره انحرافًا مطلقًا، بل بوصفه إنتاجًا تاريخيًا مرتبطًا بالنخب الفكرية والسياسية التي تصوغ الأفكار ثم تنقلها إلى المجتمع، حيث تجد من يتبناها ويعيد إنتاجها.
ومعلوم، بحسب السوسيولوجيا السياسية، أن مفهوم الإيديولوجيا في أصله كان يعني علم الأفكار ، قبل أن يتحول تاريخيًا إلى معنى نقدي مرتبط بالمصالح والصراعات السياسية والاقتصادية والثقافية والإيكولوجية والقومية.
وفي السياق المغربي، يلاحظ الطريق الرابع كيف تحولت بعض التعبيرات اليسارية إلى عصبيات فكرية مغلقة، في وقت كانت فيه الاشتراكية عالميًا قد بدأت تعيد صياغة نفسها منذ منتصف القرن العشرين. وهكذا تحولت بعض الأفكار إلى هويات شبه جماعية، خاصة داخل أوساط الطلبة والتلاميذ وبعض الجمعيات، بحيث صار الانتماء إليها أقرب إلى انتماء هوياتي صلب، وأحيانًا ذا طابع شبه ديني في رمزيته وطقوسه وحدته.
وقد أفرز هذا التحول حالة من التقديس غير المعلن للفكرة وللأشخاص، حيث تتحول الإيديولوجيا إلى يقين نهائي، وتغدو بمنزلة عقيدة لا تقبل النقاش، ويمكن للفرد أن يضحي من أجلها حتى الموت، رغم أنها تظل، في الأصل، إيديولوجيا دنيوية وليست دينية.
وهنا توقف الطريق الرابع عند تجارب متعددة: من الإيديولوجيا الشيوعية التي تحولت لدى بعض أتباعها إلى تصور مقدس، إلى بعض القوميات التي تحولت إلى أنظمة فكرية مغلقة، وصولًا إلى حالات تداخل فيها السياسي بالديني، خاصة في الشرق الأوسط بعد تعثر المشروع القومي العربي، بما أدى، في بعض السياقات، إلى فقدان الدين لوظيفته الأخلاقية الرمزية وتحوله بدوره إلى أداة إيديولوجية.
الحلم ليس المشكلة المشكلة حين يصبح الحلم فوق السؤال
يفتح الطريق الرابع نقاشًا نقديًا حول سؤال مركزي:
هل الإيديولوجيا وعي زائف كما ترى بعض التيارات النقدية؟ أم أنها شكل من أشكال الوعي التاريخي الذي يمنح الإنسان قوة وإرادة للتغيير؟
فالإيديولوجيا، رغم أنها لا ترى الواقع كما هو، بل كما تتصوره أو كما ترغب في تغييره، فإنها تنتج، في الوقت نفسه، صورة مثالية للمستقبل تمنح الفاعلين الاجتماعيين طاقة كبيرة للنضال والعمل. لكنها قد تتحول، في لحظة معينة، إلى قطيعة مع الواقع، حين يصبح الإيمان بها أقوى من اختبارها.
ومن هنا يمكن فهم بعض ديناميات الطريق الرابع نفسه، منذ انطلاقه سنة 2016، من المنتدى الوطني للمدينة إلى حركة قادمون وقادرون، ومن المقهى الثقافي إلى الجامعة الشعبية المغربية ومرصد الهجرات الدولية وحقوق الإنسان، ومن المبادرات المدنية إلى شبكات التفكير والعمل؛ باعتبارها محاولة لإعادة وصل الفكرة بالواقع، دون تحويلها إلى يقين مغلق.
لقد حملت الإيديولوجيات الكبرى، وفي مقدمتها الشيوعية، وعدًا جذريًا بإعادة تشكيل العالم: تحرير الإنسان من سلطة الملكية، وإنهاء الانقسام الطبقي، وانتزاع الزمن الاجتماعي من قبضة الاستغلال لرده إلى مجال الإبداع والحرية. ولم تكن قوة هذا الوعد نابعة من فراغ، بل من كونه خرج من صلب المعاناة التاريخية ومن حاجة بشرية عميقة إلى العدالة والانعتاق.
اليسار حين يتحول إلى إيديولوجيا وكيف يمكن تحريره من نفسه؟
غير أن المأزق، من منظور الطريق الرابع ، لا يبدأ من الحلم، بل من اللحظة التي يتحول فيها الحلم إلى يقين. فحين يكف المشروع عن مساءلة شروط إمكانه، ويتحول إلى حقيقة مفترضة سلفًا، تنتقل الإيديولوجيا من أفق للتحرر إلى بنية مغلقة تُحصّن نفسها ضد النقد.
عندها لا يعود السؤال: كيف يمكن تحقيق هذا العالم؟
بل يصبح: كيف نحافظ على الإيمان به رغم تعثره أو استحالة تحققه؟
وفي تلك اللحظة تحديدًا يفقد الحلم طابعه التاريخي، ويتحول من مشروع للتغيير إلى وعد خلاصي؛ ومن أفق سياسي مفتوح على التجربة والاختبار إلى عقيدة تكتفي بالإيمان بذاتها. فلا يعود مطلوبًا أن يتحقق الحلم في الواقع، بل يكفي أن يُؤمن به.
وهنا يقترب الخيال الثوري من البنية الدينية؛ ليس بوصفه طريقًا نحو المستقبل، بل بوصفه وعدًا مؤجلًا باستمرار، يستمد سلطته من قوة التصديق أكثر مما يستمدها من إمكان الإنجاز.
وهذا ما نريد طرحه اليوم للنقاش، في زمن يعرف تراجعًا واضحًا في النقاش العمومي حول قابلية مشاريع اليسار للتحقق، ويتقدم فيه الإيمان بها بوصفها قيمة قائمة بذاتها. ففي هذه اللحظة تنتقل الإيديولوجيا من أفق تاريخي مفتوح على الممارسة والتحول إلى أفق اعتقادي مكتفٍ بذاته، ويتحول الحلم السياسي إلى بنية رمزية تؤدي وظيفة شبيهة بما تؤديه اليوتوبيا أو الوعد الخلاصي: أي باعتباره أفقًا للمعنى والتعبئة أكثر من كونه برنامجًا قابلًا للإنجاز التاريخي.
بمعنى آخر، حين يتوقف الناس عن طرح أسئلة من قبيل:
هل هذا المشروع ممكن فعلًا في الواقع؟
ما شروط نجاحه؟
ما حدوده؟
ماذا لو اصطدم بالتاريخ أو بالمجتمع أو بالإنسان كما هو؟
فعندما تغيب هذه الأسئلة، يصبح الإيمان بالفكرة أهم من اختبارها. وهنا لا يعود الحلم مشروعًا سياسيًا قابلًا للمراجعة، بل يتحول إلى يقين مغلق يُطلب من الناس التصديق به حتى وإن لم يتحقق.
ومن هنا يطرح الطريق الرابع سؤالًا جريئًا داخل التجربة اليسارية: أليس الوقت قد حان لكي يعترف اليسار بأخطائه، ويعيد تصحيح مساره حتى لا يسقط مجددًا في إنتاج إيديولوجيات مغلقة، سواء كانت طبقية أو قومية أو غيرها؟
ففي بعض السياقات، تحولت إيديولوجيا اليسار المغربي إلى أفق قومي يبحث عن الوحدة، وإلى شعور هوياتي يتجاوز شروط الفعل السياسي الواقعي داخل الدولة؛ أي إلى تصور وجداني أكثر منه مشروعًا سياسيًا قابلًا للتحقق. وهو ما خلق توترًا بين الحلم والوضع التاريخي الفعلي. وهذا ما نحاول تفكيكه باحترام للجميع، ومن داخل الرغبة في المساهمة في مناهضة الإرهاب الفكري.
للأسف، ما يزال هناك صمت كثيف حول ما نحاول التفكير فيه والاجتهاد داخله. وربما لم نعد قادرين على فتح مثل هذا النقاش، ليس فقط خوفًا من التكفير السياسي أو الفكري، بل أيضًا خوفًا من ثقل الذاكرة، ومن رمزية المعتقلين السياسيين والشهداء، ومن رهبة الإرث النضالي نفسه.
ونتمنى أن نكون مخطئين في هذا التقدير. لكننا، رغم ذلك، سنحاول خوض هذا النقاش وركوب مخاطره، مهما كان الثمن، متمنياتنا لليسار المغربي إطلاق السراح الفوري ةالعاجل.
وفي الأخير: ما هو مأزقنا نحن؟ وكيف تتشكل الأزمات والمآزق من حولنا؟
إن الأزمة هي انقطاع في مسار التطور، لكنها تظل قابلة للتجاوز والإصلاح.
أما المأزق، فهو وضع تاريخي مغلق، لا يمكن تجاوزه بالآليات نفسها التي أنتجته، بل يتطلب قطيعة نقدية مع البنية التي أفرزته، وإعادة بناء أفق جديد للفكر والفعل.
في الختام، لا يمكن لا نفيا ولا احتقارا لأي مبادرة أو مسار؛ فداخل التجربة اليسارية المغربية من ظل متمسكا (رغم الهزائم وقسوة التجربة وجراح الماضي التي لازال بعضها لم يندمل بعد) بقيم يسارية عالية لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها. وفي المقابل، يرى البعض أن هناك من انتقل من موقع الالتزام إلى مواقع أخرى، واستفاد من إمكانات الدولة ومجالاتها، دون أن ينجح في ترجمة تلك الالتزامات إلى مشاريع مؤسساتية أو تحولات ملموسة بالقدر المأمول، والأمثلة معروفة..
كما أن بعض التجارب السياسية في السياق العام أظهرت كيف يمكن لمسارات الفعل السياسي أن تنتج مفارقات معقدة، حيث تتقاطع الاستفادة من الدولة مع تقديم خدمات لها أو الاشتغال داخل منطقها. وفي كل الحالات، يبقى الأمر موضوع قراءة وتقييم سياسي وتاريخي أكثر منه إصدار أحكام جاهزة.
وفي كل الأحوال، فإن اليسار، بأخلاقه الوطنية النبيلة، وقيمه وشجاعته ونَفَسه النقدي المواطن، واجه الواقع في كثير من اللحظات مكشوفًا وعاريًا، ودافع بكل جرأة عن الوطن ومؤسساته، لكنه في بعض السياقات انزلق أيضًا إلى أسر الإيديولوجيا، بدل الحفاظ على مسافة نقدية منها.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
