تبدو الأزمة الليبية وكأنها تدور منذ سنوات داخل حلقة مفرغة؛ انسداد سياسي يتجدد مع كل مبادرة، وتسويات مؤقتة لا تلبث أن تعيد إنتاج الانقسام نفسه، في وقت تبدو فيه البلاد عالقة بين تصلب الأفرقاء السياسيين من جهة، ومحاولات أممية ودولية لم تنجح حتى الآن في دفع ليبيا نحو تسوية نهائية تنهي حالة الانقسام الحكومي والعسكري المستمرة منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. وبعد أشهر من إطلاق مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه «خارطة طريق» جديدة للحل، لا تبدو ليبيا اليوم أقرب إلى الانتخابات أو توحيد مؤسسات الدولة، بقدر ما تبدو غارقة أكثر في تعقيدات الانقسام السياسي وتشابك الحسابات المحلية والإقليمية، وسط تراجع متزايد في ثقة الشارع الليبي تجاه المسارات الأممية التي تكرّرت من الصخيرات إلى جنيف وبرلين، من دون أن تنجح في إنهاء المرحلة الانتقالية الطويلة. منذ طرحت البعثة الأممية لليبيا تصورها للحل السياسي في ليبيا، خلال أغسطس (آب) الماضي، راهنت البعثة على مسار تدريجي يبدأ بإقرار قاعدة دستورية وقوانين انتخابية توافقية، وإعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، وصولاً إلى حكومة موحدة وانتخابات رئاسية وبرلمانية تنهي الانقسام السياسي والمؤسساتي. غير أن «مجلس النواب» (البرلمان) و«المجلس الأعلى للدولة» أخفقا خلال نحو ثمانية أشهر في تحقيق أي اختراق جوهري في الملفات الأساسية، على الرغم من الضغوط الدولية والإحاطات المتكرّرة من المبعوثة الأممية هانا نيتيه أمام مجلس الأمن، بما في ذلك التلميح أحياناً بإمكانية تجاوز الأجسام السياسية التقليدية نحو مسارات بديلة.
لقد بدت حالة الجمود السياسي أكثر رسوخاً مع استمرار تبادل التحفظات بين الأطراف الرئيسة، وهو ما عكسته وساطة محلية جرت قبل شهرين بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، وكشفت، وفق ما قالت مصادر ليبية لـ«الشرق الأوسط»، عن حسابات معقدة وخلافات عميقة ما تزال تعرقل التوافق حول القوانين الانتخابية.
تصلّب الساسة يعطّل المؤسسات ولم تتوقّف تبعات تصلّب الساسة عند المؤسسات السياسية، بل امتد إلى المؤسسة القضائية نفسها، بعدما أصبح «المجلس الأعلى» للقضاء منقسماً بين قيادتين في طرابلس وبنغازي، وهذا تطوّر حمّل متابعون مسؤوليته للمجلسين، وعدّوه مؤشراً إضافياً على اتساع أزمة الشرعية وتآكل قدرة المؤسّسات القائمة على إدارة المرحلة الانتقالية.
المحلّل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي يرى أن إخفاق مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» في إنجاز استحقاقات خريطة الطريق الأممية يمثّل «استمراراً لمسلسل إهدار الفرص السياسية». وأردف أن البعثة الأممية باتت أقرب إلى تبنّي «مسارات موازية تضم قوى أكثر تأثيراً على الأرض، في ظل قناعتها بتنامي السخط الشعبي تجاه الأجسام السياسية التقليدية».
وحقاً، في موازاة الحراك الأممي الذي لم تثمر نتائجه على الأرض، برز الدور الأميركي بصورة أكثر وضوحاً خلال الأشهر الأخيرة، سواءً عبر التحرّكات المرتبطة بمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، أو من خلال قيادة القوة الأفريقية «أفريكوم». وهذا بطبيعة الحال، يُعدّ مؤشراً على اهتمام متزايد من واشنطن بإعادة ترتيب المشهد الليبي أمنياً وسياسياً.
هذه التحركات شملت الدفع نحو توحيد الميزانية والإنفاق الحكومي، إلى جانب رعاية مناورات «فلينتلوك» العسكرية في مدينة سرت، بوسط ليبيا، بمشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها، بالتوازي مع بروز مسار «4+4» الذي جمع ممثلين عن «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر وحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وهذا في محاولة لتقريب وجهات النظر حول الملفات الانتخابية وإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات.
ويرى العبدلي أن هذا المسار «يمثّل عملياً محاولة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية، وسحباً تدريجيّاً للبساط من تحت أقدام مجلسي النواب والدولة، بعدما فشلا في إنتاج تسوية تنهي حالة الانسداد».
الخلافات التقليدية تعود إلى الظهور من ناحية ثانية، على الرغم من التفاؤل الحذر الذي أعقب اجتماعات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط



