لم تدفع الحرب مع إيران وتعطل حركة الطاقة عبر «مضيق هرمز» دول الخليج إلى إعادة توجيه استثماراتها نحو الطاقة المتجددة بوتيرة أسرع.
ورأى محللون، نقلاً عن موقع (AGBI)، أن الأزمة عززت أولوية حماية صادرات النفط والغاز وتأمين مساراتها البديلة، أكثر من دفعها نحو تسريع التحول الطاقي.
وفي حين سارعت اقتصادات مستوردة للطاقة إلى توظيف الأزمة لتعزيز استقلالها الطاقي وتقليص تعرضها لتقلبات أسواق الوقود الأحفوري، تبدو دول مجلس التعاون الخليجي أكثر تركيزاً على حماية تدفقات صادراتها من الهيدروكربونات، التي لا تزال تشكل الركيزة الأساسية للإيرادات العامة والنشاط الاقتصادي.
كما تدفع الاضطرابات المستمرة في «مضيق هرمز» وتعطل تدفقات النفط والغاز عدداً من الاقتصادات الكبرى المستوردة للطاقة إلى تسريع الاستثمارات في الكهرباء والطاقة المتجددة وأنظمة التخزين، سعياً إلى تقليص الاعتماد على الواردات وتعزيز أمن الإمدادات على المدى الطويل.
في هذا الإطار، أعلن الاتحاد الأوروبي خططاً جديدة لتعزيز استقلاله الطاقي من خلال تسريع وتيرة كهربة الاقتصاد، فيما تواصل الهند تنفيذ مشاريع واسعة للطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء بالبطاريات بهدف خفض الاعتماد على واردات الوقود.
أولوية متزايدة لأمن الصادرات النفطية
يرى محللون أن استجابة دول الخليج للأزمة ستتمحور حول تعزيز البنية التحتية الخاصة بتصدير النفط والغاز وتطوير مسارات بديلة تتجاوز هرمز.
الاقتصاد الدائري في الخليج.. المخلفات تتحول إلى مورد استراتيجي للطاقة
في هذا السياق، كثفت الإمارات العمل على مشروع خط الأنابيب البري «غرب شرق»، الذي يتيح نقل الإمدادات بعيداً عن المضيق، ومن المتوقع أن يدخل الخدمة خلال العام المقبل، ضمن جهود أوسع لتعزيز مرونة منظومة الصادرات النفطية.
ورغم الأزمة الحالية، كانت دول الخليج قد رفعت بالفعل وتيرة استثماراتها في الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة.
مجموعة من الألواح بمحطة للطاقة الشمسية في مدينة دبي الإماراتية ـ 13 فبراير 2023
وفقاً لحسابات استندت إلى بيانات «الوكالة الدولية للطاقة المتجددة» (IRENA)، ارتفعت قدرات الطاقة الخضراء في المنطقة بنسبة 58% خلال عام 2025 لتصل إلى 24 غيغاواط، أي ما يعادل نحو ضعفي ذروة الطلب على الكهرباء في دبي.
كما تضم خطط التطوير المستقبلية مشاريع محتملة بقدرة تصل إلى 165 غيغاواط، في وقت يُتوقع فيه أن يؤدي التوسع السريع في مراكز البيانات ومشاريع الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الطلب على الكهرباء خلال السنوات المقبلة.
برامج التحول الطاقي تمضي وفق الخطط المعلنة
رغم التوترات الإقليمية، تواصل دول الخليج تنفيذ المشاريع المدرجة ضمن استراتيجياتها للتحول الطاقي دون تغييرات جوهرية.
في السعودية، جرى خلال العام الماضي توقيع اتفاقيات لتطوير مشاريع جديدة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح بقدرة إجمالية تبلغ 15 غيغاواط، تشمل خمسة مشاريع للطاقة الشمسية ومزرعتين كبيرتين لطاقة الرياح.
أما الإمارات، فتعمل على تطوير مشروع للطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء في أبوظبي بقدرة إجمالية تبلغ 5.2 غيغاواط، يستهدف توفير إمدادات كهربائية مستقرة بقدرة أساسية تبلغ 1 غيغاواط على مدار الساعة، ويعد من أكبر المشاريع من نوعه عالمياً.
كما واصلت شركة «مصدر» توسعها الخارجي رغم تداعيات الحرب، مستهدفة الوصول إلى محفظة عالمية للطاقة المتجددة بقدرة 100 غيغاواط بحلول عام 2030، عبر استثمارات موزعة في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة.
وفي سلطنة عُمان، تتواصل خطط التوسع في مشاريع الطاقة النظيفة من خلال اتفاقيات جديدة لطاقة الرياح والطاقة الشمسية، بعد تشغيل مشروعي «منح 1» و«منح 2» للطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تبلغ 500 ميغاواط.
الأزمة تعزز الجدوى الاقتصادية دون تغيير المسار
من جانبه، قال مدير التحرير لشؤون الطاقة في الشرق الأوسط لدى «أرغوس ميديا»، نادر إيتيم، إنه لا يتوقع أن تقود الأزمة الحالية إلى تغييرات جوهرية في سياسات الطاقة المتجددة الخليجية.
وأوضح أن الأولوية خلال السنوات المقبلة ستتركز على تعزيز مرونة صادرات النفط والغاز وإيجاد مسارات بديلة للإمدادات، فيما ستستمر برامج الطاقة المتجددة وفق المسارات المرسومة لها مسبقاً.
«أدنوك» الإماراتية تدشن أول «روبوت عالي التحمل» في قطاع الطاقة
في الوقت نفسه، تواجه دول المنطقة التزامات مالية إضافية مرتبطة بإعادة تأهيل المنشآت المتضررة من الاعتداءات الإيرانية، في وقت تُقدّر فيه شركة «ريستاد إنرجي» تكلفة إعادة التأهيل في الشرق الأوسط بنحو 58 مليار دولار.
بدورها، أشارت محللة أسواق الكهرباء لدى مؤسسة «إمبر»، كوستانتسا رانغيلوفا، إلى أن نمو قدرات الطاقة المتجددة الخليجية كان قائماً بالفعل قبل اندلاع الحرب، مضيفة أن مشاريع الطاقة الكبرى والاستراتيجيات الوطنية تحتاج عادة إلى سنوات من التخطيط والتعاقد والتمويل، ما يعني أن التطورات الحالية تمثل استمراراً لاتجاه استثماري قائم أكثر من كونها استجابة مباشرة للأزمة.
ورأت أن الحرب عززت المبررات الاقتصادية والاستراتيجية لتسريع بعض المشاريع، لكنها لم ترتقِ إلى مستوى إحداث تحول جذري في أولويات الاستثمار أو إعادة صياغة سياسات الطاقة في دول الخليج.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

