ليست الحروب وحدها كارثة على الشعوب، فهناك حالة أكثر إنهاكاً واستنزافاً، هي حالة «اللاحرب واللاسلم»، وهي الحالة التي تعيشها المنطقة اليوم بين إيران والولايات المتحدة. فالتوتر قائم، والتهديدات لا تتوقف، والأسواق قلقة، والممرات البحرية تحت الحصار، لكن القرار النهائي لم يُحسم بعد. ذلك التردد لا يعود إلى الحسابات الدولية فقط، بل إلى مأزق داخلي يعيشه النظام الإيراني نفسه، لأنه حتى الآن لم يقرر أي طريق يريد أن يسلك.
طهران تريد اتفاقاً يخفف الضغوط الاقتصادية الخانقة، لكنها في الوقت ذاته، تخشى أن يبدو الاتفاق وكأنه تراجع سياسي وآيديولوجي أمام جمهور، تمت تعبئته لعقود على فكرة مواجهة «الشيطان الأكبر». لذلك تحاول القيادة الإيرانية البحث عن تقديم وتأخير أولويات، تمنحها فرصة الادعاء أمام جمهورها بأنها انتزعت نصراً سياسياً أو اقتصادياً من واشنطن، حتى لو كان ذلك النصر شكلياً أو إعلامياً أكثر منه واقعياً. هي تريد المال وتريد هرمز وتريد إزالة الوجود الأميركي، وتريد الاحتفاظ بالأذرع، والعالم يريد نزع السلاح النووي وحرية المرور وقطع التدخل الإيراني في الجوار.
الداخل الإيراني يعيش حالة إنهاك حقيقية. الاقتصاد يتآكل، والعملة فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها، وفرص العمل تتراجع، والطبقة الوسطى التي كانت يوماً عماد الاستقرار الإيراني أصبحت أكثر ضيقاً وقلقاً. وداخل ينتظر فرصة الخلاص، لذلك يبدو واضحاً أن المفاوض الإيراني يركز على الحصول على أكبر قدر ممكن من الأموال المجمدة وتخفيف العقوبات، لأن تلك الأموال لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة لتأجيل الانفجار الاجتماعي.
وفي الوقت نفسه، تحاول طهران استخدام أوراق الضغط التقليدية. فهي تلوّح بمضيق هرمز، وتختلق الحجج القانونية، وتقارن بما لا يقارن، وتعيد التذكير بقدرتها على تهديد الملاحة الدولية أو المنشآت الحيوية في الخليج. كما تتمسك بأذرعها السياسية والعسكرية في لبنان والعراق واليمن، لأن بقاء تلك الأذرع يمنحها شعوراً بأنها ما زالت قادرة على التأثير في الإقليم، ورفع تكلفة أي مواجهة مع خصومها، والمراهنة على نتائج الانتخابات النصفية في أميركا.
غير أن تلك الأدوات لم تعد تحقق النتائج التي كانت تحققها في الماضي. فالواقع تغير بعد الحرب، ودول الخليج أصبحت أكثر استعداداً للتعامل مع التهديدات، كما أن الولايات المتحدة تبدو أقل استعجالاً في تقديم التنازلات. بل إن واشنطن تتصرف بأن الزمن يعمل لصالحها، وأن استمرار الضغوط الاقتصادية والنفسية سيؤدي تدريجياً إلى إنهاك الداخل الإيراني أكثر فأكثر، والجمهوريون يكسبون أصواتاً.
ولعل أكثر ما يكشف حجم القلق داخل طهران هو.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
