اتفقت أكبر ستة اقتصادات في الاتحاد الأوروبي (فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا وبولندا) على رؤية مشتركة لإنشاء سوق مالية أوروبية أكثر تكاملاً على غرار الولايات المتحدة، بهدف تحويل الاتحاد إلى قوة استثمارية قادرة على منافسة "وول ستريت" وحي المال في لندن، وفق "بوليتيكو".
وجاء الاتفاق بعد أسابيع من المشاورات بين الدول الست، ويتضمن دفع مشروع إصلاح مالي يهدف إلى توحيد أسواق المال الأوروبية وتعزيز دور هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية ESMA، لتصبح جهة رقابية مركزية أقوى على مستوى الاتحاد.
لكن التحدي الأكبر يتمثل الآن في إقناع بقية الدول الأعضاء بدعم الخطة، إذ تحتاج الدول الست إلى تأييد ما لا يقل عن تسع دول إضافية لضمان تمرير الإصلاحات داخل مجلس الاتحاد الأوروبي.
ويهدف المشروع إلى إنشاء ما يسمى بـ"اتحاد الادخار والاستثمار"، لتسهيل توجيه تريليونات من مدخرات الأوروبيين إلى الاقتصاد الأوروبي، في وقت تواجه فيه الحكومات ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة الأزمات المتعاقبة.
قوة منافسة لـ"وول ستريت"
وخرج وزراء مالية فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا وبولندا منتصرين من قمة مصغرة عقدت في برلين، الخميس الماضي، بعدما وافقوا على الخطوط العريضة لاتفاق يهدف إلى تحويل الاتحاد الأوروبي إلى قوة استثمارية قادرة على منافسة "وول ستريت" وحي المال في لندن.
وجاء الاتفاق ثمرة عمل مجموعة فرعية من الدول الست بعد أسابيع من التحضير بعيداً عن وتيرة المناقشات التشريعية البطيئة في بروكسل.
وكان مسؤولون ماليون من مختلف أنحاء الاتحاد يتفاوضون في الوقت نفسه بشأن مشروع قانون أوروبي يُعرف باسم MISP، يحمل الطموحات نفسها المتمثلة في دمج الأسواق المالية وإنشاء جهة رقابية موحدة.
انتهت المحادثات بين المشرعين الأوروبيين والحكومات بشأن تنفيذ اتفاقية التجارة مع الولايات المتحدة دون تحقيق أي تقدم يُذكر، وهو ما قد يثير غضب الرئيس الأميركي.
وكتب وزراء مالية الدول الست، المعروفة باسم E6، في بيان مشترك نُشر، الجمعة: "سعينا إلى التوصل إلى تسوية متوازنة تعكس موقفنا، وقد تسهم في المناقشات المستقبلية داخل المجلس".
لكن الجزء الأصعب يبدأ الآن. فالمجموعة المكونة من ست دول ستحتاج إلى حشد دعم الحكومات الأخرى لمشروعها، من دون إعطاء انطباع بأنها تتجاهل وجهات نظر الدول المعارضة.
وبعد أن أنشأت هذه المجموعة إطارها الخاص للتنسيق، بات عليها الآن إقناع بقية الدول الـ21 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وهي تحتاج إلى دعم تسع دول إضافية على الأقل للحصول على الأصوات اللازمة لتمرير الإصلاحات عبر مجلس الاتحاد الأوروبي، بما يضمن تحقيق شرط موافقة 15 دولة تمثل 65% من سكان الاتحاد.
ويعتزم وزراء مالية الدول الست، عرض اتفاقهم على بقية نظرائهم في 12 يونيو، خلال اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي "إيكوفين" في لوكسمبورج.
وقد حدّت الأزمات المتلاحقة من قدرة الحكومات على الإنفاق، لذلك يعوّل صناع السياسات على المستثمرين المحترفين والمدخرين للقيام بالدور الأكبر من خلال توجيه أموالهم إلى القطاعات المناسبة. ويحتفظ مواطنو الاتحاد الأوروبي وحدهم بنحو 11 تريليون يورو من المدخرات النقدية في حساباتهم المصرفية.
غير أن تضارب المصالح بين بعض الحكومات والجهات العاملة في القطاع المالي، مثل إيرلندا ولوكسمبورج، يهدد بتعطيل المفاوضات. ودفع ذلك مجموعة الدول الست إلى الاتفاق أولاً فيما بينها على المبادئ الأساسية لتسريع العملية، ما أثار مخاوف من ظهور "أوروبا بسرعتين" تُترك فيها بعض الدول خلف الركب.
وقال وزير المالية القبرصي ماكيس كيرافنوس، الذي يترأس حالياً اجتماعات "إيكوفين"، لمجلة "بوليتيكو": "لا أعتقد أن إنشاء هيكل منفصل أمر قابل للتطبيق، لأنه سيتعارض مع القناعة السائدة اليوم لدى جميع الدول الأعضاء بأن التجزئة يجب أن تتوقف".
خلافات داخلية ومصالح متضاربة
ورغم الاتفاق العام، فإن الوثيقة تخفي خلافات داخلية بين الدول الست نفسها. فبينما تتفق جميعها على تعزيز هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية ESMA وتحويلها إلى جهة رقابية قوية على مستوى الاتحاد، تختلف بشأن سرعة تنفيذ هذه الخطوة.
ويقضي الحل الوسط الذي توصل إليه الوزراء الستة، بأن يتم نقل الصلاحيات من الجهات الرقابية الوطنية إلى الهيئة الأوروبية تدريجياً خلال فترة انتقالية "مناسبة وقصيرة قدر الإمكان".
لكن ذلك يترك الباب مفتوحاً للنقاش حول المدة الزمنية الدقيقة، في ملف تتضارب فيه المصالح المختلفة.
وكانت إيطاليا وهولندا قد اقترحتا في البداية فترة انتقالية بطيئة قد تصل إلى ثماني سنوات كي تكتسب الهيئة الأوروبية صلاحياتها الجديدة.
غير أن هولندا خففت منذ ذلك الحين من مطالبها، إذ دعا وزير المالية الهولندي، إيلكو هاينن، خلال اجتماع الخميس، إلى فترة انتقالية أقصر، بحسب مسؤول هولندي، وهو ما قد يقرّب وجهات النظر بين الدول إذا أبدت إيطاليا استعداداً للتسوية.
ومن القضايا الخلافية الأخرى توسيع نطاق إشراف الهيئة الأوروبية ليشمل شركات العملات المشفرة، التي تخضع حالياً لرقابة وطنية.
وفي تسوية مهمة، اتفقت الدول الست على أن تخضع شركات العملات المشفرة الكبرى لإشراف هيئة ESMA، بينما تبقى الشركات الأصغر تحت الرقابة الوطنية.
هذا المحتوى مقدم من قناة الرابعة
