التعليم.. المصنع الذي ينتج كل شيء في المغرب ويعاني من كل شيء

قد يعتقد البعض أن أكبر مصنع في المغرب يوجد ضمن الوحدات الصناعية الضخمة التي تنتج السيارات والطائرات والأسمدة والمنتجات الموجهة للتصدير، لكن الحقيقة هي أن أكبر مصنع في المغرب لا يوجد داخل منطقة صناعية، ولا تحيط به الأسوار العالية، بل يوجد في كل مدرسة وجامعة ومعهد ومركز للتكوين، إنه التعليم، فهو المصنع الحقيقي الذي يصنع الإنسان، ويحول الطاقات الخام إلى كفاءات قادرة على الإنتاج والإبداع والمنافسة، فكل طبيب ومهندس ومقاول وأستاذ وإطار إداري هو في الأصل منتوج لمنظومة تعليمية نجحت أو أخفقت في أداء رسالتها.

التعامل مع التعليم اليوم باعتباره مجرد قطاع اجتماعي يهدف إلى تقديم خدمة عمومية للمواطنين أصبح تصوراً متجاوزاً لا ينسجم مع تطلعات ورهانات العصر، فالتعليم في جوهره قطاع اقتصادي واستثماري واستراتيجي قبل أن يكون قطاعاً اجتماعياً، لأن مردوديته تنعكس على جميع القطاعات الأخرى، وكل درهم يُستثمر في التعليم هو استثمار في النمو الاقتصادي والإنتاجية والابتكار وجاذبية الاستثمار، لذلك فإن الدول التي نجحت في تحقيق التحول التنموي لم تنظر إلى المدرسة باعتبارها عبئاً مالياً على الميزانية، بل باعتبارها أكبر ورش لبناء الثروة الوطنية.

ولهذا السبب، فإن تدبير التعليم لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تدبير قطاع اجتماعي عادي، بل باعتباره تدبيراً لأكبر مشروع استراتيجي في البلاد، فالحقيقة أن تدبير التعليم هو تدبير مستقبل الاقتصاد الوطني وسوق الشغل والبحث العلمي والتنافسية الدولية للمغرب خلال العقود المقبلة، فالقرارات التي تُتخذ اليوم فيما يتعلق بالتعليم ستنعكس آثارها بعد سنوات على جودة الموارد البشرية، وعلى قدرة المقاولات المغربية على الابتكار والإنتاج، وعلى مكانة المغرب ضمن الاقتصاد العالمي.

غير أن الخطر الأكبر الذي يهدد هذا المصنع الوطني لا يتمثل فقط في ضعف الإصلاح أو محدودية الموارد، بل في التعامل مع التعليم بمنطق الربح السريع ومنطق "الهمزة"، وتحويله من حق دستوري ورافعة للتنمية إلى سوق مفتوحة لخدمة مصالح ولوبيات معينة، فحين يصبح الهدف هو توسيع المجال أمام الاستثمار الخاص دون ضوابط تضمن الجودة وتكافؤ الفرص، وحين يتم إضعاف المدرسة العمومية بشكل مباشر أو غير مباشر، فإن النتيجة لا تكون تطوير المنظومة التعليمية، بل خلق تعليم بسرعتين: تعليم جيد لمن يملك القدرة على الأداء، وتعليم متعثر للفئات الواسعة من أبناء الشعب.

القطاع الخاص يمكن أن يلعب دوراً مكملاً ومهماً في المنظومة التعليمية، لكن الخطأ يكمن في اعتباره بديلاً عن المدرسة العمومية أو في جعله المستفيد الأول من تراجعها، لأن الدول المتقدمة لم تبنِ أنظمتها التعليمية على منطق الربح التجاري، بل على منطق المصلحة الوطنية، لذلك حافظت على مدرسة عمومية قوية وقادرة على ضمان الجودة والإنصاف، أما حين يتحول التعليم إلى مجال للمضاربة وتحقيق الأرباح، فإن المجتمع يؤدي الثمن عبر تعميق الفوارق الاجتماعية وإهدار مبدأ تكافؤ الفرص.

إن أكبر مصنع في المغرب هو التعليم، لأنه المصنع الذي ينتج كل ما عداه من مصانع ومشاريع ومؤسسات، وإذا كان المغرب يريد أن يربح رهان التنمية في العقود المقبلة، فإن عليه أن يرفع التعليم إلى مرتبة الأولوية الوطنية الأولى، وأن يتعامل معه باعتباره استثماراً سيادياً واستراتيجياً لا مجرد ملف اجتماعي، وأن يحمي المدرسة العمومية من كل محاولات الإضعاف أو التهميش أو تحويلها إلى ضحية لمصالح اقتصادية ضيقة، فالأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من ثروات طبيعية، بل بما تنتجه مدارسها وجامعاتها من عقول قادرة على صناعة المستقبل، فالتعليم ليس قطاعاً من بين القطاعات، بل هو القاطرة التي تجر خلفها كل مشاريع التنمية، وهو أكبر مصنع في المغرب، وأعظم استثمار يمكن أن تراهن عليه الدولة لبناء مغرب قوي ومزدهر وعادل.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 7 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 16 ساعة
هسبريس منذ 22 ساعة
هسبريس منذ 12 ساعة
موقع بالواضح منذ 8 ساعات
Le12.ma منذ 14 ساعة
هسبريس منذ 13 ساعة
Le12.ma منذ 11 ساعة