سياسة التوازن عبر الفوضى: الرياض ومحاولة تصفير مشروع الجنوب

لا شيء يشبه ما يحدث في الجنوب العربي اليوم، ولا شيء يشبه هذه اللحظة التي يتدثر فيها الموت بثوب الحياة، وتلبس فيها السياسة قناع الشراكة، بينما تدير في الخفاء سكاكين التقسيم والتفتيت والتفريغ. إنها السياسة التي لا تعلن الحرب فتنتصر، ولا ترفع السلاح فتقتل، بل تخلق من الفوضى ميزانًا، ومن التمزيق توازنًا، ومن الأوهام حقائق، حتى يصبح الضحية هو الجلاد الذي يجهل أنه يذبح نفسه بيده.

وسياسة "التوازن عبر الفوضى" ليست نظرية تُدرس في الكتب فحسب، بل هي خطة تُطبّق بالدم والدمع والأعصاب في جسد الجنوب العربي المنهك، تحت رعاية سعودية باردة، لا تخطئها العين التي تريد أن تبصر، ولا تفوتها البصيرة التي تأبى أن تُخدع.

وسياسة "التوازن عبر الفوضى" ليست شعارًا يُرفع، ولا نظرية تُطرح للجدل الأكاديمي فحسب، بل هي استراتيجية دولة كبرى تتعامل مع الكيانات السياسية الناشئة كما يتعامل لاعب الشطرنج مع الرقعة: لا يهم من يسقط، المهم ألا يصل أحد إلى نهاية اللعبة منتصرًا. إنها السياسة التي لا تكتفي بتقسيم الخصم إلى فريقين، بل إلى عشرة فرق، ثم إلى مئة، ثم إلى شظايا لا تجتمع إلا على التناحر، ولا تلتقي إلا على الضياع.

وفي هذا النموذج، لا تسعى الدولة الراعية للفوضى إلى بناء كيان، ولا إلى دعم مشروع وطني واضح المعالم، بل إلى إنتاج حالة من السيولة السياسية المطلقة، حيث يصبح كل فصيل مشغولًا بإقصاء الفصيل الآخر، وكل قيادي منهمكًا في إثبات شرعيته وإثبات أهليته في مواجهة منافسيه، وكل منطقة منكفئة على هويتها المحلية في مواجهة الهوية الوطنية الجامعة. وهنا يتحقق المبتغى: لا غالب ولا مغلوب، لا منتصر ولا مهزوم، فقط فوضى منتجة للعجز، وفوضى مولّدة للتبعية، وفوضى تجعل من الدولة التي يطمح إليها شعب الجنوب ألا تكون إلا في صنعاء أو الرياض، فهي الملاذ الأخير، وهي الحكم الفصل، وهي صاحبة القرار حين يشتد الصراع ويبلغ السكين العظم.

إنها السياسة التي تجعل من الكيانات السياسية مجرد حمقى مفيدين، يظنون أنهم يخوضون معركة التحرير والاستقلال، بينما هم في الحقيقة يخوضون معركة البقاء على قيد الحياة في مختبر فوضوي كبير، أُعدّت أنابيبه بعناية، وصُمّمت تفاعلاته الكيميائية لتنتج غازًا خانقًا يقتل الحلم قبل أن يقتل الحالم.

في قلب هذه المعادلة الخانقة، يقف المجلس الانتقالي الجنوبي العربي كمشروع سياسي يعبّر عن تطلعات شعب الجنوب العربي في استعادة دولته كاملة السيادة. إنه ليس مجرد إطار تنظيمي، بل هو الحاضنة السياسية لحلمٍ ظل يراود الملايين منذ أن سقطت الدولة بالقوة والإخضاع عام 1994، ثم تأكدت شرعية هذا الحلم بالتضحيات الجسام في ثورة 2015 وما تلاها من ملاحم تحريرية.

غير أن هذا المشروع، الذي يفترض أن يكون حليفًا للتحالف العربي بقيادة السعودية في مواجهة المشروع الإيراني في اليمن والجنوب العربي، يبدو أنه بات يشكل عبئًا استراتيجيًّا على الرياض، لا لأنه فشل في تحقيق أهدافه، بل لأنه نجح في أن يكون كيانًا متماسكًا، له قيادة شرعية، وجيش نظامي، وقاعدة شعبية عريضة، ورؤية سياسية واضحة لاستعادة الدولة. وهذا هو بالضبط ما لا تريده سياسة "التوازن عبر الفوضى"؛ فالكيان المتماسك هو خطر على استراتيجية التفريغ والتفتيت.

وهنا يأتي الدور على عملية التصفير الممنهجة. فتصفير المجلس الانتقالي الجنوبي لا يعني بالضرورة حلّه أو إنهاء وجوده القانوني، بل يعني إفراغه من مضمونه، وتحويله من حامل لمشروع دولة إلى مجرد إطار شكلي، أو إلى ساحة صراع داخلي بين مكوناته، أو إلى أداة للضغط والمساومة في مفاوضات لا تنتهي. التصفير يعني ألا يكون للمجلس وجود فعلي في معادلة الحكم، وألا يكون لقراره السيادي أي وزن في ميزان القوى الإقليمي والدولي.

وتصفير المشروع الجنوبي التحرري من خلال حل المجلس الانتقالي الجنوبي العربي لا يكتمل إلا بتصفير رمزه، ومن هنا تأتي المحاولات المتواصلة لإقصاء الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي عن المشهد السياسي؛ لأن الزُبيدي ليس مجرد رئيس لمجلس انتقالي، بل هو الرجل الذي فوّضه الشعب الجنوبي تفويضًا تاريخيًّا لقيادة معركة التحرير والاستعادة، وهو الذي حمل راية الحلم الجنوبي في أحلك الظروف، وخاض معارك السياسة والعسكر بقلب لا يعرف التردد، ولسان لا يجيد النفاق.

لكن الرمزية التي يمثلها الزُبيدي هي بالضبط ما يزعج صانعي الفوضى. فرجل بهذه المواصفات لا يمكن احتواؤه، ولا يمكن تطويعه، ولا يمكن شراؤه بمال أو منصب؛ لأنه يمثل إرادة شعب لا تقبل المساومة على الثوابت، وهذه الإرادة هي العدو الأول لسياسة "التوازن عبر الفوضى"؛ لأنها تنتج وحدة، والوحدة نقيض الفوضى.

وتأتي أحداث يناير المقبل، وما يُحاك لها من سيناريوهات، لتؤكد أن هناك مخططًا يتجاوز مجرد إقصاء شخص، إلى إفراغ المشروع من معناه. إنها محاولة لضرب الشرعية الثورية التي اكتسبها الزُبيدي من الشارع الجنوبي ومن التضحيات التي قُدمت على مذبح الحرية. والذرائع التي تُعزف عليها هذه المحاولات كثيرة: تارة باسم "التهديد للأمن القومي السعودي"، وتارة باسم "تهديده المركز القانوني للشرعية"، وتارة باسم "تهديده للقبائل في محافظة حضرموت"، لكن الحقيقة واحدة: إنها عملية قتل سياسي معنوي لرمز لا يمكن اختراقه، تمهيدًا لإحلال رموز أكثر مرونة، وأكثر قابلية للانصياع.

إذا كان المجلس الانتقالي هو العقل السياسي للمشروع الجنوبي، فإن الجيش الجنوبي هو ساعده العسكري، وهو البنية الدستورية التي تحمي المكتسبات الوطنية وتصون التضحيات. إنه ليس مجرد تشكيلات عسكرية، بل هو تجسيد لسيادة الدولة المنشودة، وهو الحارس الأمين على حدود الحلم.

وهنا يأتي المخطط الأكثر إيلامًا: تفكيك هذا الجيش تحت شعارات "توحيد القوات" أو "دمج الفصائل" أو "إعادة الانتشار"، والهدف العميق ليس بناء جيش جنوبي وطني موحد، بل هو كسر شوكة الجنوب العسكرية، وتحويل مقاتليه إلى كتائب مشتتة، تتبع كل منها ولاءات محلية أو قبلية أو مناطقية، أو ما هو أسوأ: تحويلها إلى مليشيات تتقاتل فيما بينها على الفتات وعلى الولاء وعلى التناحر المخطط لها في آخر المطاف.

إن الجيش الذي قاتل في جبهات الكرامة، وحرر الأرض، ووقف سدًا منيعًا أمام المشاريع المعادية، لا يمكن أن يُفكك إلا في مختبر الفوضى. وتفكيكه لا يعني فقط إضعاف القوة العسكرية للجنوب، بل يعني أيضًا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من عدن تايم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من عدن تايم

منذ ساعة
منذ 23 دقيقة
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعتين
عدن تايم منذ ساعتين
صحيفة عدن الغد منذ 8 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 8 ساعات
صحيفة 4 مايو منذ 51 دقيقة
صحيفة عدن الغد منذ 20 ساعة
صحيفة عدن الغد منذ 6 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 16 ساعة
عدن تايم منذ ساعة