يُعد الاحتفاء بالموروث الثقافي أحد المحاور المركزية في البحث السوسيولوجي المعاصر. ولتفكيك هذه الظاهرة، لا بد أولاً من تأطير مفهوم "التراث"؛ فهو ليس مجرد تركة مادية أو معنوية جامدة، بل هو كل ما ينتقل من جيل إلى آخر من عادات، وتقاليد، ومعتقدات، وقيم، وفنون، وممارسات اجتماعية.
وبحسب تعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، فإن التراث يمثل:
"رأسمالاً ثقافياً يُستخدم لتعزيز المكانة الاجتماعية وصناعة التميز".
ومن المنظور السوسيولوجي، يُنظر إلى التراث كبناء اجتماعي يتم إنتاجه وإعادة إنتاجه عبر الزمن؛ فهو عملية ديناميكية تُشكّل الهوية الجماعية وتتفاعل باستمرار مع التحولات الراهنة. فالمجتمعات لا تستدعي الماضي بكليته، بل تختار عناصر محددة تضفي عليها قيمة رمزية، وتجعل من الاحتفاليات الموسمية أداة للتذكير بها، ونقلها إلى الأجيال القادمة، بعيداً عن التقديس الجامد أو القطيعة الجذرية.
وفي منطقة يافع، تجري هذه الممارسات الاحتفالية لتقدم عمقاً ثقافياً وحضارياً يبقي المجتمع حياً، مستلهماً حياة الأجداد لتطوير الحاضر، وتنمية الروح الجماعية وقيم التضامن، بما يحافظ على التوازن القائم ويصون الخصوصية الثقافية للمنطقة كشكل من أشكال الوفاء التاريخي.
الجذور التاريخية وتطور أنماط الاحتفال في يافع:
شهدت السنوات القليلة الماضية حركة نشطة في تنظيم هذه الاحتفالات، رافقها تداول واسع النطاق عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم أن هذه الاحتفالات موغلة في القدم، إلا أنها مرت بتحولات بنيوية شملت نمط تنظيمها، وأماكن إقامتها، وطبيعة "الزوامل" المصاحبة لها. ويمكن تتبع هذا التطور عبر المراحل الاتية:
1. المظاهر التقليدية القديمة (الاحتفالات القرية):
حتى وقت قريب، كانت الاحتفالات تنطلق من القرى بعد صلاة العشاء. حيث يجتمع الشباب والنساء والرجال في ساحة القرية لإقامة ما يُعرف بـ "المراجس" .
نسق لغوي وحركي موحد ودقيق.
تصطف النساء في طابورين متقابلين (يمين ويسار) تفصل بينهما مسافة، بينما يجلس الرجال والشباب في جانب آخر من الساحة ذاتها.
المساجلة الشعرية:
ينزل الشاعر إلى المساحة الفاصلة بين صفي النساء، ويبدأ بالدندنة بشعره. وعندما يلقي البيت الأخير، يلتقطه صف النساء الأول لترديد مقطعه الأول، ثم يرد الصف المقابل بالشطر الثاني على قاعدة (البدء والجواب).
الأداء الحركي: تتحرك النساء بحركات إيقاعية مائلة إلى الأمام والخلف بخطوات اهتزازية أثناء الترديد. يستمر هذا النمط لدقائق قبل أن ينزل شاعر آخر لتقديم ابياته الشعرية، لتتحول إلى مساجلة شعرية .
2. مرحلة الزيارات العامة (منذ ماقبل 1967م)
أستمرت الاحتفالات العامة، التي تجمع عدداً كبيراً من القرى في ساحات المدارس، الأسواق، أو الساحات المرتبطة بأضرحة الأولياء. وتتميز هذه المرحلة بظهور "البارعات" حيث يدخل الرجال الساحة مؤدين رقصات شعبية بالسيوف والجنابي. ومن أبرز هذه الزيارات التاريخية:
زيارات منطقة الشبر ومنطقة الهجر في لبعوس.
زيارة منطقة عثارة في المفلحي (والتي كانت تستمر لأكثر من تسعة أيام).واستمر حضور النساء في المراجس بالمهرجانات العامة إلى مطلع التسعينات.
احتفالات القارة (عاصمة السلطنة العفيفية):
كانت تتوافد القبائل من ثاني أيام العيد إلى رابعها للمعاودة على السلطان وتجديد الولاء.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من عدن تايم
