في 31 ماي من كل عام، يعود اليوم العالمي للامتناع عن التدخين ليطرح السؤال نفسه: لماذا يستمر ملايين الأشخاص في التدخين رغم معرفتهم بمخاطره؟ الجواب لم يعد مرتبطاً بضعف الإرادة وحدها، بل بإدمان النيكوتين، والضغط النفسي، والعادات اليومية، وسهولة الوصول إلى منتجات تبدو أحياناً أقل خطراً لكنها قد تُبقي الإنسان داخل دائرة الاعتماد.
تحت شعار سنة 2026 الذي ركزت عليه منظمة الصحة العالمية، كشف الجاذبية ومواجهة إدمان التبغ والنيكوتين ، لم تعد الرسالة الصحية تكتفي بتخويف المدخن من السرطان وأمراض القلب. الرسالة الأهم اليوم هي أن الإقلاع ممكن، وأن فرص النجاح ترتفع عندما يتحول القرار الشخصي إلى خطة علاجية واضحة، تجمع بين الدعم السلوكي، والأدوية الموصى بها، والمتابعة الطبية، وتجنب الحلول التجارية التي تعد بنتائج سريعة دون دليل كاف.
يُحتفل باليوم العالمي للامتناع عن التدخين في 31 ماي، وهو موعد سنوي تقوده منظمة الصحة العالمية للتنبيه إلى مخاطر التبغ، وكشف أساليب تسويق منتجات النيكوتين، ودعم السياسات التي تساعد الناس على ترك التدخين. وفي نسخة 2026، ركزت المنظمة على الجاذبية التي تصنعها صناعات التبغ والنيكوتين حول منتجاتها، خصوصاً لدى الشباب، عبر النكهات، التصميم، التغليف، والصورة العصرية لبعض المنتجات.
لكن التعامل الصحي مع المدخن لا يجب أن يكون قائماً على اللوم. فالتدخين إدمان بيولوجي وسلوكي في الوقت نفسه. النيكوتين يؤثر في الدماغ ويخلق رغبة متكررة، بينما ترتبط السيجارة عند كثيرين بالقهوة، التوتر، القيادة، العمل، أو لحظات الاستراحة. لذلك، فإن أفضل برامج الإقلاع لا تطلب من الشخص أن يتوقف فقط ، بل تساعده على فهم محفزاته، وتخفيف أعراض الانسحاب، وتغيير الطقوس اليومية المرتبطة بالتدخين.
تؤكد التوصيات الطبية الحديثة أن الجمع بين العلاج الدوائي والدعم السلوكي يرفع فرص النجاح مقارنة بمحاولة الإقلاع دون مساعدة. فالجلسات القصيرة مع طبيب، صيدلي، أخصائي نفسي، أو برنامج إرشاد عبر الهاتف أو التطبيقات، تساعد المدخن على تحديد موعد الإقلاع، توقع لحظات الضعف، ووضع خطة للتعامل مع الرغبة المفاجئة.
الدعم السلوكي لا يعني محاضرة طويلة، بل خطوات عملية: معرفة عدد السجائر اليومية، تحديد أكثر الأوقات خطراً، إزالة السجائر والولاعات من المحيط، إخبار الأسرة أو الأصدقاء، اختيار بديل صحي عند التوتر، ومراجعة الطبيب إذا ظهرت أعراض انسحاب قوية. وعندما يضاف الدواء المناسب إلى هذه الخطة، يصبح الإقلاع أقل قسوة وأكثر قابلية للاستمرار.
بدائل النيكوتين من أشهر وسائل الإقلاع، وتشمل اللصقات، العلكة، الأقراص، البخاخات أو المستحضرات التي توفر جرعات مضبوطة من النيكوتين دون دخان السجائر ومواد الاحتراق. الفكرة ليست استبدال الإدمان بإدمان آخر، بل تخفيف أعراض الانسحاب تدريجياً، حتى يتمكن الشخص من الابتعاد عن عادة التدخين نفسها.
الأخطاء الشائعة أن يستعمل المدخن العلكة أو اللصقة بطريقة عشوائية، أو يوقفها بسرعة، أو يختار جرعة أقل من حاجته. لهذا تنصح الإرشادات الطبية بأن يتم اختيار النوع والجرعة حسب شدة الاعتماد على النيكوتين. وفي بعض الحالات، قد تكون تركيبة لصقة طويلة المفعول + علكة أو قرص سريع عند الرغبة المفاجئة أكثر فائدة من استعمال نوع واحد فقط، خاصة عند من يدخنون بكثرة أو يشعرون برغبة قوية في الصباح.
من بين أحدث ما تؤكد عليه إرشادات منظمة الصحة العالمية أن العلاج الدوائي يمكن أن يكون جزءاً أساسياً من خطة الإقلاع عند البالغين. وتشمل الخيارات التي تذكرها المنظمة: فارينيكلين، بدائل النيكوتين، بوبروبيون، وسيتيسين. هذه الأدوية لا تؤخذ كلها بالطريقة نفسها، ولا تناسب كل الأشخاص، لذلك يجب استعمالها تحت إشراف طبي، خصوصاً لمن لديهم أمراض مزمنة، أدوية نفسية، حمل، رضاعة، أو تاريخ مرضي خاص.
فارينيكلين يعمل على مستقبلات النيكوتين في الدماغ، فيخفف الرغبة ويقلل الإحساس بالمكافأة عند التدخين. أما بوبروبيون فيستعمل بوصفة طبية ويمكن أن يساعد على تقليل أعراض الانسحاب لدى بعض المدخنين. وسيتيسين، الموجود في بعض الدول، يلقى اهتماماً متزايداً كخيار دوائي للإقلاع. المهم هنا أن الدواء ليس حبة سحرية ، بل أداة تساعد عندما تكون الخطة واضحة والمتابعة مستمرة.
السجائر الإلكترونية تحضر بقوة في نقاش الإقلاع، لكنها تحتاج إلى قراءة متوازنة. بعض المراجعات العلمية تشير إلى أن السجائر الإلكترونية المحتوية على النيكوتين قد تساعد بعض البالغين المدخنين على التوقف عن السجائر التقليدية، خصوصاً عندما تكون ضمن خطة منظمة. لكن هذا لا يعني أنها خالية من المخاطر، ولا يعني أنها مناسبة للشباب أو غير المدخنين.
الخطر الأكبر أن تتحول من وسيلة انتقالية محدودة إلى عادة طويلة، أو أن تجذب المراهقين والنشء نحو إدمان النيكوتين عبر النكهات والتصميم العصري. لذلك، الرسالة الصحية الأكثر أماناً هي: لا تبدأ استعمال النيكوتين بأي شكل إذا لم تكن مدخناً، ولا تستعمل السجائر الإلكترونية كحل عشوائي دون استشارة، خصوصاً إذا كانت الخيارات الدوائية والاستشارية المتاحة قادرة على مساعدتك بطريقة أوضح.
أصعب مرحلة غالباً هي الأيام والأسابيع الأولى. في هذه الفترة قد تظهر الرغبة الشديدة، العصبية، اضطراب النوم، زيادة الشهية، أو شعور بالفراغ. هذه الأعراض لا تعني الفشل، بل تعني أن الجسم يتكيف مع غياب النيكوتين. لهذا يحتاج المدخن إلى خطة مكتوبة لا تعتمد على الحماس اللحظي.
من الحلول العملية تحديد يوم الإقلاع ، تقليل المحفزات، شرب الماء، المشي القصير عند الرغبة، تجنب الجلسات المرتبطة بالتدخين في البداية، استعمال بديل فموي غير ضار مثل علكة خالية من السكر، وتذكير النفس بأن الرغبة غالباً تأتي على شكل موجة قصيرة ثم تنخفض. وإذا حدثت انتكاسة بسيجارة أو اثنتين، لا ينبغي تحويلها إلى عودة كاملة. الأفضل تحليل السبب والرجوع مباشرة إلى الخطة.
الإقلاع عن التدخين من أكثر القرارات الصحية تأثيراً في حياة الإنسان. فوفق مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، يساعد ترك التدخين على خفض خطر الوفاة المبكرة، وتقليل مخاطر أمراض القلب والسرطان ومرض الانسداد الرئوي المزمن. كما يستفيد حتى من لديهم أمراض قلبية مسبقة من الإقلاع، لأن الخطر ينخفض مقارنة بالاستمرار في التدخين.
الفائدة لا تخص المدخن وحده. فالدخان غير المباشر يضر من يعيشون معه، خصوصاً الأطفال، الحوامل، وكبار السن. لذلك، حين يتوقف شخص واحد عن التدخين داخل البيت أو السيارة، فهو لا يحمي رئتيه فقط، بل يغيّر البيئة الصحية لعائلته كاملة.
في اليوم العالمي للامتناع عن التدخين، الرسالة الأكثر واقعية هي أن الإقلاع لم يعد معركة فردية صامتة. توجد اليوم وسائل مثبتة يمكن أن ترفع فرص النجاح: استشارة سلوكية، بدائل نيكوتين بجرعات صحيحة، أدوية موصوفة مثل فارينيكلين أو بوبروبيون أو سيتيسين في الدول التي توفرها، ومتابعة تقلل خطر الانتكاس.
أما الحلول السريعة التي تعد بتنظيف الرئتين خلال أيام، أو خلطات الأعشاب التي تلغي الرغبة نهائياً ، أو منتجات النيكوتين المغلفة بصورة جذابة، فيجب التعامل معها بحذر. الطريق الأفضل هو قرار واضح، خطة طبية مناسبة، دعم من المحيط، وصبر على الأسابيع الأولى. فترك التدخين ليس مجرد امتناع عن سيجارة، بل استعادة تدريجية للنفَس، الصحة، والحرية من عادة تستهلك الجسد والمال والحياة اليومية.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
