تجاوزت الثمانين، فقررت الاختلاء لنفسي لبضعة أيام. ذهبت لـ «بيت الشاطئ»، أو الشاليه، الذي أصبح الذهاب له يشكل عبئاً على الأبناء، فهجروه، بعد أن كان الحصول عليه حلماً يراودهم. جلست في مقعدي المفضل، وسرحت بنظري في الأفق، وفي مياه البحر الزرقاء، وأشعة شمس الغروب المنعكسة بلطف على وجه الماء الرقراق، تعطيه رونقاً جميلاً، وبدأت، من دون وعي، أستعرض شريط ذكرياتي طفلاً، وصبياً ومراهقاً وشاباً، وموظفاً وناضجاً، ثم الوصول لمحطة منتصف العمر، والدخول المتسارع في الكهولة، وكل ما تضمنته تلك المراحل من سعادة وزعل، وضحك، وبكاء، وأمنيات وأفكار وتقلبات وتغيُّرات، وزواج وإنجاب أولاد، وفرح برؤية الأحفاد، وكم هائل آخر من الأحداث، بخلاف شهور الغزو والاحتلال، وما سبقها من شبه هجرة لأمريكا، وتالياً اللجوء مؤقتاً لبريطانيا، والعودة للكويت، بعد 6 سنوات هجرةً طوعية، وكانت العودة قبل أيام فقط من اجتياح أوباش صدام لوطني، وكنت شاهداً على عبثهم وفسادهم وتخريبهم، وسعيهم الحثيث، وبأوامر عليا غالباً، جعل الكويت خراب، بعد أن فشل قائد الأمة والزعيم الضرورة في جعل حتى واحدة من الـ18 محافظة تشبه الكويت، ولو في شيء واحد. فما أسهل الهدم وما أصعب البناء.
تذكرت الأهل، والأصحاب والأحبة، ومن غادرونا إلى الأبد، ومن رحلوا إلى هنا أو هنالك، وأخذت نفساً من السيجار، وارتشفت من كوبي ما لذ وطاب، ونظرت لحياتي بطريقة مختلفة، وقلت حسناً، لقد بلغت، في أحسن الأحوال، الخُمُس الأخير، من العمر، وأصبحت الأمراض والأوجاع أكثر تكراراً، وأصبحت النفس معها أقل صبراً، ووقعها أشد وطأة، وأبطأ مغادرة. كما أن قطع الغيار لأي كسر أو خراب أصبحت أكثر من نادرة، والعجز قادم لا محالة، والسكون وقلة الحركة مقبلان لا شك في ذلك، لكن ما يخفف من القلق ذلك الشعور بأننا أدينا دورنا في الحياة، وقمنا بواجبنا نحو الأسرة والمجتمع والأهل، من والدين وأخوات ومن زوجة وأبناء، وعلينا، فيما تبقى لنا من سنوات، أو ربما أشهر، أن نعيش لأنفسنا، بكل ما تعنيه الكلمة من قسوة، فهذا العيش أو الانفراد مهم.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة القبس
