صفاء فارس الطحاينة
هذا المقال لا يتناول النُّقَّاد الجادِّين ولا النَّقد الأدبيَّ بحدِّ ذاته، وإنَّما يناقش نمطًا جديدًا من الأحكام السَّريعة الَّتي ظهرت مع انتشار أدوات الذَّكاء الاصطناعيِّ، أحكام تنشغل بتخمين المصدر أكثر من انشغالها بقيمة النَّصِّ. يبقى النَّقد الأدبيُّ والفنِّيُّ ضرورة، لكن ما أتناوله هنا اختزال النَّقد إلى »اختبار تورنغ» فقط.
في السَّنوات الأخيرة ظهرت فئة جديدة من »الخبراء» الَّذين يتصدَّرون المشهد كلَّما نُشرت قصَّة أو رواية أو قصيدة شعر. لا يقرأون النَّصَّ بحثًا عن قيمته الجماليَّة، ولا يتأمَّلون لغته أو حبكته أو بصمته الإنسانيَّة، يهبُّون فورًا لإطلاق الجملة السِّحريَّة: «واضح أنَّه مكتوب بالذَّكاء الاصطناعيِّ!».
ومن اللَّافت أنَّ هؤلاء لا يشرحون كيف توصَّلوا إلى هذا »الاكتشاف العبقريِّ». يكتفون بإيحاءات غامضة وادِّعاء خبرة عميقة بأساليب النَّماذج اللُّغويَّة. يتصرَّفون وكأنَّهم حَمَلة مفاتيح معبد الأدب، يوزِّعون صكوك الأصالة، ويصادرون ما عداها. لكنَّ السُّؤال المنطقيَّ والبسيط الَّذي يغفلونه -أو يتغافلون عنه- هو: كيف عرفوا أسلوب الذَّكاء الاصطناعيِّ أصلاً؟ ومن أين اكتسبوا هذه القدرة المدهشة على تمييزه إن لم يكونوا قد استخدموه، وجرَّبوه، واختبروا سرًّا لغته بأنفسهم؟
لنكن صريحين: لا أحد يعرف مخرجات أيِّ أداة إلَّا إذا جرَّبها، ودرسها، وأعاد توظيفها مرارًا. إذًا، إنَّها مفارقة لافتة: فالشَّخص الَّذي يجرِّم استخدام أدوات الذَّكاء الاصطناعيِّ، ويتفاخر بنفوره منها، هو ذاته القادر بطريقة سحريَّة على تحليل النَّصِّ وتمييز »البصمة الآليَّة» فيه. والحقيقة البسيطة الَّتي يحاول إخفاءها أنَّه استخدم هذه الأدوات مرارًا، وربَّما اعتمد عليها أكثر ممَّن ينتقدهم.
بين الفضيلة الزَّائفة و»اختبار التَّمييز»
تعامل بعضهم مع الموضوع كما لو كان امتلاك القدرة على كشف »النُّصوص الـمُنتَجة آليًّا» شهادة نبوغ أو وسامًا في النَّقد، لكنَّ الحقيقة أنَّ الآلة لا تكتب بأسلوب واحد، ولا تقدِّم لغة متماثلة. تختلف المخرجات بحسب مدخلات الكاتب والسِّياق والتَّوجيه والقدرة على التَّحرير، ولذلك فإنَّ الادِّعاء بأنَّ »النَّصَّ يبدو آليًّا» لا يكشف قيمة النَّصِّ بقدر ما يكشف ضحالة الحكم. ثمَّ إنَّ أغلب هذه الأحكام لا تستند سوى إلى شعور مسبق أو موقف عدائيٍّ، لا إلى قراءة تحليليَّة متعمِّقة.
ماذا وراء الاتِّهام؟
بعض الأحيان، قد يقف خلف هذا النَّوع من الانتقاد أحد الأمور التالية:
1. خوف من المنافسة: فالأدوات الجديدة تجعل الكتابة متاحة لعدد أكبر من المبدعين، مما يربك حُرَّاس البوَّابة القديمة؛
بوَّابة كان يقف عندها الَّذين اعتادوا احتكار المشهد، يوزِّعون بطاقات الدُّخول إلى عالم الأدب كما لو كانوا يملكون حقًّا طبيعيًّا في ذلك. والآن، بعد أن صارت الأدوات متاحة للجميع، صار النَّقد أسهل طريقة لإبقاء الآخرين خارجًا.
2. إحساس.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية
