تقلبات الدولار في ليبيا.. هل ينجح المركزي بتطويق السوق الموازي؟

لم يكن بيع الدولار نقداً سوى آخر فصول مسلسل القرارات التي أطلقها مصرف ليبيا المركزي أملاً في تهدئة سوق الصرف، غير أن الدينار الليبي لم يقرأ السيناريو المكتوب له؛ إذ تواصلت التقلبات، وظل السوق الموازي حاضراً بقوة، كاشفاً عن أزمة تتجاوز الأدوات النقدية إلى اختلالات هيكلية أعمق.

ومن 11 ديناراً للدولار نزولاً إلى 7.70 دينار ثم عودةً للارتفاع إلى حدود 8.25 دينار في السوق الموازي، باتت تقلبات سعر الصرف في ليبيا مثار تساؤلات جدية حول جدوى التحركات الرسمية، وقدرتها الفعلية على الحدّ من نشاط سوق يزداد توسعاً رغم كل المحاولات.

تلك التقلبات تكشف، بحسب خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أن بعض القرارات كبيع الدولار نقداً لم تُثبت فعاليتها بعد، وأن المطلوب حلول أكثر جذرية وأسرع تنفيذاً لتطويق سوق موازٍ بات يُلقي بظلاله الثقيلة على مجمل الاقتصاد الوطني.

عودة الشركات الكبرى إلى ليبيا.. هل يقترب قطاع النفط من طفرة جديدة؟

الإنفاق الضخم وفاتورة الاستيراد.. وقود تقلبات سعر الدولار

يرى رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «الاقتصاد الليبي يتأثر سريعاً بارتفاع سعر الدولار، وعدم استقراره وثبات سعره لأنه ارتبط بتسعير كل شيء في دولة تعتمد بنحو 95% على الاستيراد من الخارج لذا فهو اقتصاد هشّ».

وأشار إلى أنه «رغم ضخ مليارات الدولارات من أجل الاعتمادات المستندية وبرنامج الأغراض الشخصية لازالت الفجوة متسعة ما بين السوق الرسمي البالغ حالياً 6.35 دينار والسوق الموازية 8.35 دينار بسبب الطلب المتزايد على الدولار نتيجة اتساع فاتورة الاستيراد والإنفاق الضخم على الإعمار والبناء شرقاً وغرباً وأيضاً بسبب عدم وجود شفافية في الاعتمادات».

الأدوات النقدية وحدها لا تكفي.. مشكلات هيكلية أعمق

بمزيد من التفاصيل، يرى رئيس قسم الاقتصاد في جامعة بنغازي، حلمي القماطي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الانتقال من سعر دولار اقترب من 11 ديناراً إلى تراجعه نحو 7.70 دينار ثم عودته للارتفاع إلى حدود 8.35 دينار، يتضح أن سوق الصرف الليبي ما زال يعاني من حالة عدم استقرار مزمنة.

وأوضح أن التحسن الذي تحقق خلال بعض الفترات لم يكن كافياً لبناء توازن مستدام بين العرض والطلب على النقد الأجنبي، بحسب تقديرات القماطي.

واتخذ مصرف ليبيا المركزي، بحسب القماطي، «مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى الحد من اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي إلا أن النتائج المتحققة حتى الآن تثير تساؤلات حول مدى قدرة الأدوات النقدية وحدها على معالجة أزمة تتجاوز في حقيقتها الجانب النقدي إلى مشكلات هيكلية أعمق تتعلق بالإنفاق العام والحوكمة والرقابة الاقتصادية».

وشدد على أن «المشكلة الأساسية ليست فقط في سعر الدولار وإنما في البيئة التي تسمح بتحقيق أرباح استثنائية من فروقات الأسعار فوجود أكثر من سعر للعملة الأجنبية يخلق بطبيعته حوافز للمضاربة والوساطة والسعي للحصول على النقد الأجنبي عبر قنوات النفوذ والعلاقات بدلاً من النشاط الاقتصادي الحقيقي».

مقر البنك المركزي الليبي في طرابلس، 27 أغسطس 2024

ما الحلول الفعلية لاستقرار سعر الصرف في ليبيا؟

يضع القماطي، حلولاً لمواجهة تقلبات الدولار، قائلاً: «الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على ضخ النقد الأجنبي أو تشديد الرقابة على السوق الموازية بل يتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملاً لمنظومة إدارة النقد الأجنبي وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة والإفصاح ونشر البيانات التفصيلية المتعلقة بالاعتمادات والتحويلات بما يضمن تكافؤ الفرص ويحد من أي شبهة للمحاباة أو تركز المنافع في أيدي مجموعات محدودة.

وشدد القماطي على أن «استقرار سعر الصرف لا يتحقق بالقرارات المؤقتة بل ببناء الثقة في المؤسسات الاقتصادية وترسيخ قواعد الحوكمة الرشيدة وضمان أن تكون الموارد العامة في خدمة الاقتصاد الوطني بأكمله لا في خدمة أصحاب النفوذ أو المصالح الضيقة، ولا حل إلا بوحدة مؤسسية لكل المؤسسات النقدية والمالية من الميزانية إلى الانفاق التنموي».

2.5 مليار دولار.. خطة المركزي لتجفيف السوق الموازي

والثلاثاء، بدأ مصرف ليبيا المركزي، تنفيذ خطة واسعة لضخ النقد الأجنبي في المنظومة المصرفية، بقيمة إجمالية تصل إلى 2.5 مليار دولار، لتلبية طلبات التجار والمواطنين وتجفيف منابع السوق الموازي، بحسب ما نقله إعلام ليبي مطلع يونيو الجاري.

وتتضمن شحنات الضخ تخصيص مبلغ 1.5 مليار دولار لتغطية طلبات الاعتمادات المستندية الخاصة بالشركات والتجار، بهدف تسهيل عمليات الاستيراد وضمان تدفق السلع الأساسية، والشروع في بيع مليار دولار مخصصة لأرباب الأسر والأغراض الشخصية (بواقع 2000 دولار لكل مواطن)، المتاحة عبر كافة الخيارات (كاش، أو شحن البطاقات الإلكترونية، أو الإيداع في حسابات العملة الأجنبية).

وتأتي هذه الخطوة من المصرف المركزي لزيادة العرض من النقد الأجنبي وتسهيل حصول المواطنين على مخصصاتهم الرسمية فور انتهاء عطلة العيد، لضمان استقرار المشهد النقدي، بحسب المصدر ذاته.

وفي 18 مايو الماضي، عُقِدَ بمقر مصرف ليبيا المركزي اجتماع موسع جمع ناجي محمد عيسى، محافظ مصرف ليبيا المركزي، ووزير الداخلية اللواء عماد الطرابلسي، لتنفيذ «خطة عمل مشتركة تهدف إلى الحد من الظواهر السلبية في الاقتصاد الليبي منها نشاط السوق الموازي للعملة والقضاء عليه، لما يسببه من آثار سلبية على الاقتصاد الوطني واستقرار سعر الصرف»، وفقاً لبيان المصرف.

وفي أواخر أبريل الماضي، أعلن مصرف ليبيا المركزي لأول مرة عن انطلاق بيع الدولار نقداً للتجار وللمواطنين، واعتزامه ضخ مبلغ مليار دولار عبر المصارف التجارية بشكل مبدئي.

ليبيا تبيع الدولار نقداً للمرة الأولى.. هل انتهى زمن السوق السوداء؟

مسار طويل من الإجراءات المتواصلة منذ فبراير

وفي فبراير الماضي، أصدر مصرف ليبيا المركزي حزمة إجراءات تنظيمية تستهدف تنظيم بيع وشراء النقد الأجنبي للأفراد، وتعزيز شفافية التعاملات المالية عبر القنوات الرسمية، محدداً سقفاً يومياً لمشتريات مكاتب الصرافة من النقد الأجنبي لا يتجاوز 70% من رصيدها المتوافر بالدينار الليبي، كما قرر حصر عمليات بيع النقد الأجنبي عبر المنصة الإلكترونية الموحدة دون غيرها، في خطوة تهدف إلى تقليص التجاوزات، وتنظيم حركة الطلب.

وفيما يخص سقوف البيع للأفراد، حدّد المصرف الحد الأقصى لبيع النقد الأجنبي للمواطنين الليبيين عند 8 آلاف دولار، وللمقيمين عند 3 آلاف دولار، كما ألزم المصرف مكاتب الصرافة بهوامش ربح قصوى، بواقع 4% لعمليات الدفع النقدي، و2.5% لعمليات الدفع الإلكتروني والصكوك.

قبل أقل من أسبوعين، شهدت ليبيا «أول توافق على إنفاق موحد على مستوى البلاد منذ أكثر من 13 عاماً»، فيما قال عبدالجليل الشاوش ممثل المجلس الأعلى للدولة في طرابلس لـ«رويترز»، إن المجلسين اتفقا على 190 مليار دينار ليبي (29.95 مليار دولار) للميزانية.

وفي 18 يناير الماضي، خفّض البنك المركزي قيمة العملة (الدينار)، للمرة الثانية خلال 9 أشهر، بنسبة 14,7% بهدف «الحفاظ على الاستقرار المالي»، مرجعاً قراره إلى الغياب المستمر لميزانية دولة موحدة، واستمرار ازدواجية الإنفاق.

في 2024، سجل الإنفاق المزدوج 224 مليار دينار (نحو 46 مليار دولار) وقتها وفق بيان للمصرف المركزي في أبريل 2025، مما دفعه وقتها إلى خفض قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية بنسبة 13.3%، ليصبح 5.5677 دينار مقابل الدولار، في أول خفض رسمي منذ عام 2020، وسط مطالب للحكومتين بضغط الإنفاق.

وعلى الرغم من تحقيق ليبيا 22 مليار دولار من بيع النفط العام 2025، بزيادة تخطت 15% على العام السابق، تعاني البلاد من عجز في العملات الأجنبية بلغ 9 مليارات دولار، وفق المصرف المركزي ببلد تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في إفريقيا (48.4 مليار برميل)، وتنتج نحو 1.5 مليون برميل يومياً، ويشكل النفط قرابة 96% من الصادرات، ويُسهم بنحو 98% من إيرادات خزينة الدولة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 48 دقيقة
منذ 3 ساعات
فوربس الشرق الأوسط منذ 11 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين
إرم بزنس منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 16 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعة
فوربس الشرق الأوسط منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 5 ساعات