توقفتُ عن مهاتفة ابنى. ولم يلحظ هذا. كنتُ أسمع الفتورَ فى صوته كلما قال لى: «ماما، أنا مشغول!». فأجيبه: «لا بأس أنا أتفهم!». لكن الأمَّ تفهم أكثر كثيرًا مما تعلن. لذا بدأتُ أدرّب نفسى على المحادثات الأقصر فالأقصر؛ لئلا أسرق وقته. وصرتُ أنا من يقول أولا: «مع السلامة»، حتى إن أردتُ مواصلة الحديث. تعلّمتُ أن أجعل نفسى أضألَ.. أصمَتَ... أقلَّ حضورًا. وذات يوم، نظرتُ إلى هاتفى الصامتَ، وأدركتُ شيئًا مخيفًا سحب الهواء من رئتى. أنا أنتظرُ شخصًا لم يعد ينتظرني! هنا قررتُ الصمت. لا لأعاقبه. بل لكى أحمى قلبى. وقتها تعلّمتُ شيئًا لن يخبرك به أحدٌ عن التقدّم فى العمر: الأم تصمتُ، لا لأنها تحتاجُ إلى ابنها أقلَّ، بل لأنها تعبتْ من الشعور بأنها عبءٌ لا يحتمله الآخرون. هنا تدرِّبُ الأمُّ نفسَها على ابتسار المكالمات، وتقول «وداعًا»، قبل أن تسمعها. وتبدأ فى الانكماش شيئًا فشيئًا حتى تفسح لابنها المكان. تفعلُ كل هذا فى هدوء شديد؛ إلى درجة أنك لن تلاحظ أنها تختفى من المشهد. إذا صمتتْ أمُّكَ، لا تفترض أنها لا تحتاج إليك. اتصلْ أنت. لأن هذا الصمتَ الذى تسمعه منها، هى ما تدربت عليه وهى تتضاءل وتنكمش من مشهدك لكى تفسح لك المجال أكثر.
وجدتُ فيديو لأم إنجليزية قالت فيه ما سبق. شعرتُ بوجعها، وبكيتُ. فحين تصيرُ الفتاةُ أمًّا، لا تنجب طفلًا، بل تنجب دراما حاشدة بالتحولات. فى سنوات طفلها الأولى تكون هى كلَّ العالم بالنسبة له. هى الحضن والطعام والدفء. هى الرائحةُ التى يستنشقها ليغفو آمنًا. هى الكلمةُ الأولى التى يسمعها ليتعلم النطق. هى اليدُ التى تمسكه ليتعلّم الخطو. هى الصوتُ الذى يُهدئ خوفه فى الليل، والوجه الذى يبحث عنه بين عشرات الوجوه. كلُّ طفلٍ يظن أن أمه موجودة منذ بداية الكون، وأنها ستظل فى مكانها تنتظره كلما التفتَ وراءه.
ثم يمارسُ الزمنُ عملَه الأزليَّ، بإتقان وهدوء. يدخل الطفل المدرسة فتشاركه الأمُّ أصدقاءه. ثم يدخلُ الجامعة فتشاركه أحلامَه. ثم العمل، فالحب، فالأسرة. وتتكاثرُ مسؤوليات الحياة حوله كما تشتجرُ الأغصانُ حول جذع شجرة نحيل. عالم بعد عالم، ودائرة وراء دائرة. ومع كل دائرة تتراجع الأمُّ خطوةً إلى الخلف، حتى تختفى تمامًا من المشهد، الذى كانت تحتلّه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم
