من مراجعة الماضي إلى صناعة المستقبل: قراءة في تجربة حزب البعث

الأحزاب السياسية لا تُقاس فقط بما رفعته من شعارات، ولا بما امتلكته من رموز تاريخية، بل تُقاس بقدرتها على تحويل أفكارها إلى مؤسسات، وبرامج، وممارسات، ونتائج ملموسة في حياة الناس. فالحزب الذي يبقى أسير الماضي، مهما كان ماضيه مؤثرًا، يفقد مع الوقت قدرته على مخاطبة الأجيال الجديدة وصناعة المستقبل.

لقد جاء حزب البعث العربي الاشتراكي في مرحلة عربية قلقة، كانت الأمة فيها تبحث عن التحرر من الاستعمار، وعن الوحدة بعد التجزئة، وعن العدالة بعد الفقر والتفاوت، وعن الكرامة بعد الهزائم السياسية والعسكرية. لذلك حمل الحزب شعارات كبيرة: الوحدة، الحرية، الاشتراكية. وكانت هذه الشعارات في وقتها تعبيرًا عن طموح عربي واسع، وعن رغبة في بناء نهضة قومية تتجاوز حدود الدولة القطرية الضيقة. غير أن المشكلة لم تكن في الشعار ذاته، بل في المسافة التي نشأت لاحقًا بين الشعار والتطبيق. فقد ظلّت الوحدة، في كثير من الأحيان، حلمًا عاطفيًا أكثر من كونها مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا قابلًا للتنفيذ. وبقيت الحرية شعارًا مركزيًا، لكنها لم تتحول دائمًا إلى ديمقراطية داخلية حقيقية أو إلى قبول فعلي بالتعدد والاختلاف. أما الاشتراكية، فقد فُهمت أحيانًا بوصفها سيطرة الدولة والحزب على الحياة العامة، بدل أن تكون أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وحماية الفئات المنتجة والضعيفة. ومن المحطات المهمة في تاريخ الحزب اختيار الدكتور منيف الرزاز للأمانة العامة في عام 1965. وكان ذلك الاختيار، من حيث المبدأ، خطوة إيجابية؛ فقد جاء الرزاز من خلفية فكرية وسياسية محترمة، وكان معروفًا برصانته، وثقافته، ونظافته الأخلاقية، وقدرته على التعبير عن البعد الفكري للحزب. كما أن اختياره عكس رغبة، ولو مؤقتة، في تقديم قيادة مدنية وفكرية قادرة على تهدئة الصراعات الداخلية وإعادة التوازن إلى الحزب. لكن هذه اللحظة الإيجابية كشفت في الوقت نفسه عن مشكلة أعمق. فقد جاء اختيار الرزاز في مرحلة لم تكن فيها الإدارة الحزبية مستقرة، بل كانت تعاني من صراعات داخلية بين القيادة القومية والقيادات القطرية، وبين المدنيين والعسكريين، وبين أصحاب الرؤية الفكرية وأصحاب النفوذ التنظيمي والسلطوي. وقد أصبح الرزاز أمينًا عامًا في وقت كانت فيه الخلافات قد تجاوزت حدود النقاش السياسي الطبيعي، ودخلت في مرحلة صراع على القرار والشرعية والسلطة داخل الحزب. وتذكر المصادر التاريخية أن ميشيل عفلق شغل موقع الأمين العام حتى عام 1965، ثم خلفه منيف الرزاز في الفترة 1965 1966، وهي الفترة التي سبقت الانقسام الكبير للحزب بعد أحداث 1966. وهنا تظهر إحدى أهم مشكلات الحزب الإدارية في تلك المرحلة: أن الحزب امتلك شخصيات فكرية كبيرة، لكنه لم يمتلك نظامًا إداريًا قادرًا على حماية المؤسسة من الصراع الداخلي. فالقيادة لم تكن مدعومة بما يكفي من آليات واضحة لإدارة الخلاف، وتوزيع الصلاحيات، وضبط العلاقة بين الفكر والتنظيم، وبين الحزب والسلطة، وبين القيادة المدنية والنفوذ العسكري. ولهذا لم يكن اختيار شخصية محترمة مثل منيف الرزاز كافيًا لإنقاذ الحزب من أزمته؛ لأن المشكلة لم تكن في الشخص فقط، بل في البنية التنظيمية والإدارية نفسها. ومن أهم أوجه القصور في التجربة البعثية أن الحزب، في مراحل مختلفة، لم ينجح في بناء مؤسسة أقوى من الأفراد. فالرموز المؤسسة لها مكانتها ودورها التاريخي، ولكن الحزب الذي يبقى متعلقًا بالرمز أكثر من المؤسسة يضعف مع الزمن. إذ لا يمكن لأي حزب أن يتجدد إذا بقيت شرعيته مرتبطة بالأسماء لا بالبرامج، وبالذاكرة لا بالكفاءة، وبالولاء الشخصي لا بالعمل المؤسسي. كما عانى الحزب من ضعف واضح في إدارة الخلاف الداخلي. فالاختلاف الفكري والسياسي داخل الأحزاب ليس خطرًا إذا وُجدت مؤسسات قادرة على تنظيمه، بل هو مصدر قوة وتجديد. أما عندما يُنظر إلى الاختلاف كتهديد، فإن الحزب ينتقل من الحوار إلى الإقصاء، ومن التنوع إلى الانقسام، ومن التنظيم السياسي إلى الصراع الداخلي. وهذا ما أضعف كثيرًا من قدرة الحزب على الاستمرار كجسم موحد ومتطور. ومن القصور الكبير أيضًا أن بعض التجارب البعثية خلطت بين الحزب والدولة، وبين التنظيم والوطن، وبين السلطة والمجتمع. وهذا الخلط ألحق ضررًا بالغًا بالفكرة الحزبية نفسها. فالحزب، في جوهره، يجب أن يكون وسيلة لخدمة الدولة والمجتمع، لا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ 10 ساعات
منذ 21 دقيقة
منذ 30 دقيقة
منذ 21 دقيقة
منذ 37 دقيقة
منذ 11 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 13 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 14 ساعة
قناة رؤيا منذ 23 ساعة
خبرني منذ 9 ساعات
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 8 ساعات
خبرني منذ 10 ساعات
قناة رؤيا منذ 12 ساعة
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 23 ساعة