لماذا تعجز الطائرات الأمريكية عن الطيران في أفغانستان والعراق؟

سرايا - في الثامن من يوليو/تموز 2021، سُئل الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عن احتمالية سقوط الحكومة الأفغانية أمام مقاتلي حركة طالبان بعد الانسحاب الأمريكي، فأجاب بثقة: "لا، ليس هذا أمرا حتميا. لأن القوات الأفغانية لديها 300 ألف جندي مجهزين تجهيزا جيدا، وقوة جوية، في مواجهة نحو 75 ألف مقاتل من طالبان".

لكن بعد أسابيع قليلة فقط، انهارت القوات الأفغانية، وسقطت كابول، بينما عجزت الطائرات التي أنفقت عليها واشنطن مليارات الدولارات عن تغيير مسار الحرب أو حتى حماية الجيش الذي تقاتل دفاعا عنه. وهكذا تبخَّرت جهود امتدت 20 عاما، تحت إشراف 4 رؤساء أمريكيين، وبمشاركة نحو مليوني جندي من حلف شمال الأطلسي (الناتو) على مدار الحرب.

وقد مثَّل انهيار القوات الجوية الأفغانية تتويجا لمسار طويل من الإخفاقات الأمريكية في بناء قوات جوية فاعلة للدول التي خضعت للاحتلال الأمريكي. فمن العراق إلى أفغانستان، أنفقت واشنطن عشرات المليارات على إنشاء جيوش جديدة، لكنها اصطدمت في كل مرة بحقيقة أن هذه القوات غير قادرة على العمل بصورة مستقلة بمجرد تراجع الوجود الأمريكي أو انسحاب شبكات الدعم اللوجستي والاستخباري والفني المرتبطة به.

وقد دفع تكرار هذه الظاهرة مكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) -وهو هيئة رقابية أنشأها الكونغرس عام 2008 لمراقبة أموال وبرامج إعادة إعمار أفغانستان- إلى تخصيص دراسة مطولة لها ضمن تقرير صدر عام 2023 بعنوان "لماذا انهارت قوات الأمن الأفغانية؟"، استند إلى مقابلات مع عسكريين ومسؤولين أمريكيين وأفغان، لفحص أسباب الانهيار.

كما نشر مركز راند، الممول من القوات الجوية الأمريكية، دراسة في عام 2026 بعنوان "بناء قوة جوية للشركاء" تناولت الدروس المستفادة من تجربة الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان بين عامي 2004-2021، وقدمت توصيات تتعلق ببناء القوات الجوية الشريكة في الحروب غير النظامية.

كذلك تناول ديفيد كيلكولن وغريغ ميلز هذه التجربة في كتابهما "الدفتر: المحاسبة عن الفشل في أفغانستان". ويُعد كيلكولن أحد أبرز مُنظِّري "مكافحة التمرُّد"، فإلى جانب عمله أستاذا للعلاقات الدولية في جامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية، خدم كيلكولن ضابطا ومستشارا في الحكومتين الأسترالية والأمريكية، وعمل مستشارا للجنرال ديفيد بترايوس في العراق، ثم مستشارا لمكافحة الإرهاب لوزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس.

أما غريغ ميلز، فهو مدرس في كلية الدفاع العليا التابعة لحلف الناتو، وكان حاضرا داخل القصر الرئاسي الأفغاني رفقة الرئيس أشرف غني خلال الأيام الأخيرة قبل سقوط كابول، وعمل مع كيلكولن بصفة استشارية إلى جانب قادة قوة "إيساف" (قوة الناتو في أفغانستان)، ما منح كتابهما طابعا يجمع بين الخبرة الأكاديمية والمعايشة الميدانية.

إن التجربتين العراقية والأفغانية تُجسِّدان طبيعة العقيدة العسكرية الأمريكية القائمة على التفوق الجوي باعتباره مُضاعِف القوة الأهم في الحروب الحديثة. فقد صُمِّم الجيش الأمريكي ليكون قادرا على الحركة السريعة، وتوجيه الضربات الدقيقة، وتقديم الإسناد الجوي للقوات البرية، وتقليل الخسائر البشرية عبر الاعتماد على التكنولوجيا والطيران والاستخبارات الجوية.

ولهذا، عندما واجهت الولايات المتحدة حركات مقاومة في العراق وأفغانستان، سعت إلى بناء قوات جوية محلية تقاتل بالطريقة الأمريكية. فمنذ عام 2002، خصصت الولايات المتحدة ما يقرب من 90 مليار دولار لقوات الجيش والأمن الأفغانية، وزودتها بأكثر من 600 ألف قطعة سلاح و300 طائرة و80 ألف مركبة، لكن التجربة كشفت أن امتلاك الطائرات لا يعني بالضرورة امتلاك قوة جوية فعالة.

واللافت أن القوات الجوية الأمريكية كشفت في مقترح ميزانيتها لعام 2026 نيتها تقليص عدد الوحدات المسؤولة عن تدريب وتقديم المشورة للشركاء العسكريين الأجانب. وجاء ذلك بعد 4 سنوات من إلغاء وحدات التدريب الأجنبية التابعة لها في مجال العمليات الخاصة والهجوم الخفيف. ويعيد هذا التوجه إلى الأذهان ما حدث عقب حرب فيتنام، عندما ألغت القوات الجوية الأمريكية جميع قدراتها الاستشارية، قبل أن تبدأ في معالجة هذا القصور جزئيا عام 1994، عبر إعادة تفعيل سرب استشاري جوي تابع لقيادة العمليات الخاصة.

على مدار الحرب التي امتدت 20 عاما، خسر حلف الناتو 110 طائرات مأهولة، فيما اعتادت القوات الأفغانية القتال تحت مظلة أمريكية وفَّرت الإسناد الجوي القريب والإخلاء الطبي والخدمات اللوجستية والاستخبارية. ومع مرور الوقت، تحوَّلت هذه القدرات من أدوات دعم إلى شرط جوهري لبقاء الجيش الأفغاني. ففي عام 2019 نفذت الولايات المتحدة 7423 غارة جوية، ولذلك عندما خفَّضت واشنطن غاراتها عقب اتفاق الدوحة عام 2020، فقدت القوات الأفغانية أهم عنصر كان يمنع قوات طالبان من الحشد والتحرك بحرية.

وقد برزت أزمة ضخمة في منظومة تشغيل الطائرات التي تُبقيها عاملة، حيث يعتمد سلاح الجو الحديث على شبكات صيانة وإمداد واتصالات وتخطيط معقدة. وعندما سحبت الولايات المتحدة عقود الصيانة في مايو/أيار 2021، لم يكن لدى الأفغان سوى نحو 200 فني مُدرَّب لصيانة 186 طائرة، أي ما يعادل 30% فقط من العدد المطلوب، وطُلب منهم أداء المهام نفسها التي كان المقاولون الأمريكيون يقومون بها.

ومع اتساع نطاق الاشتباكات، ارتفع الضغط على الطائرات إلى مستويات تجاوزت معدلات الصيانة الآمنة، ما انعكس مباشرة على جاهزيتها، حيث نفذت القوات الجوية الأفغانية في يونيو/حزيران 2021 نحو 16 غارة يوميا، وذلك قبل سقوط كابول بشهر واحد فقط. وبحسب شهادة هبة الله عليزاي، آخر قائد للجيش الأفغاني في عهد أشرف غني، فإن إصلاح مروحيات بلاك هوك كان يستغرق يوما واحدا عندما كان المقاولون الأمريكيون يشرفون عليه، لكن بعد انسحابهم أصبحت الطائرات المتضررة تُرسَل إلى دبي للصيانة، ما استغرق أسابيع أو حتى أشهرا، وأدى إلى خروج أعداد كبيرة من الطائرات عن الخدمة.

وقد لخَّص الجنرال سميع سادات حجم التدهور بقوله إن "60% من طائرات بلاك هوك توقفت عن العمل في غضون أشهر من انسحاب المقاولين الأمريكيين". وبحلول أوائل يوليو/تموز 2021، لم يتبق سوى 88 طائرة قادرة على التحليق. كما تغيَّب عدد من الطيارين عن الخدمة خوفا من حملة اغتيالات شنتها حركة طالبان ضد الطيارين والعاملين في سلاح الجو.

ومع تراجع الجاهزية الجوية، لم تعد القوات الأفغانية قادرة على توفير الإمدادات أو تنفيذ عمليات الإخلاء الطبي أو دعم الحاميات المعزولة، ما أدى إلى نقص الذخيرة والطعام، وأسهم في انهيار الروح المعنوية وتسريع سقوطها. كما ظهرت أزمة حادة في الذخائر والوقود، إذ عانى سلاح الجو الأفغاني عجزا في الصواريخ والقنابل الموجهة ووقود الطائرات.

ظهرت كذلك فجوة بشرية وثقافية نتيجة انتشار الأمية وضعف التأهيل الفني. فلم يكن يجيد القراءة والكتابة باللغة الأم سوى 13% فقط من المرشحين الأفغان للخدمة في سلاح الجو، في حين تطلَّب تشغيل وصيانة الطائرات الأمريكية فهم كتيبات تقنية باللغة الإنجليزية. ولهذا اضطر المستشارون الأمريكيون إلى تعليم بعض المجندين أساسيات القراءة والكتابة قبل تدريبهم على اللغة الإنجليزية والمفاهيم التقنية. وقد بلغ معدل الفشل بين الطيارين الأفغان المتدربين على قيادة المروحيات نحو 26%، وهو معدل يفوق بنحو 3 مرات معدل الفشل بين طلاب الطيران الجامعيين في القوات الجوية الأمريكية.

بناء الاعتمادية

مرَّ برنامج دعم القوات الجوية الأفغانية بمرحلتين رئيسيتين. ركزت الأولى، بين عامي 2005-2014، على النقل الجوي والدعم اللوجستي للقوات البرية الأفغانية عبر طائرات الشحن والمروحيات، حيث رفعت الولايات المتحدة حجم سلاح الجو الأفغاني إلى 57 طائرة بينها 35 مروحية من طراز "ميل مي 17" (Mil Mi-17) السوفيتية الأصل، التي اشترتها الولايات المتحدة من شركات روسية. غير أن تلك المرحلة شهدت حادثة تركت أثرا عميقا في علاقة المستشارين الأمريكيين بالمتدربين، بعدما قتل طيار أفغاني 9 مستشارين أمريكيين داخل مطار كابول الدولي عام 2011، ما دفع إلى تشديد إجراءات الحماية وخلق أجواء من الشك وانعدام الثقة.

أما المرحلة الثانية، الممتدة بين عامي 2015-2021 مع بدء مهمة "المساعدة الأمنية"، فقد ركزت على تطوير قدرات الهجوم الجوي الليلي، والاستطلاع والمراقبة الجوية، وعمليات مكافحة الإرهاب، حيث زُوِّدَت قوات العمليات الخاصة الأفغانية بطائرات استطلاع مجهزة بأجهزة استشعار كهروضوئية وأنظمة تصوير بالأشعة تحت الحمراء وأجهزة تحديد أهداف.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

منذ 8 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
قناة رؤيا منذ 15 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 19 ساعة
خبرني منذ 10 ساعات
خبرني منذ 9 ساعات
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 23 ساعة
قناة رؤيا منذ 12 ساعة
خبرني منذ 12 ساعة
صحيفة الدستور الأردنية منذ 12 ساعة