إياد شماسنة
هناك كتب لا تقرأها كما تقرأ كتابا عاديا، بل تمشي فيها كما يمشي المرء في طريق قديم يعرفه ولا يعرفه في الوقت نفسه. «عمان القرى» لمفلح العدوان 2026 واحد من هذه الكتب. لا يأتي بوصفه سجلا باردا لأسماء القرى والآثار والعشائر، ولا بوصفه احتفاء عاطفيا بعمان القديمة فقط، بل كأنه محاولة هادئة للجلوس مع المدينة وسؤالها: من كنت قبل أن تصبحي عاصمة؟ وماذا بقي فيك من ذلك الطفل الأول الذي كان يركض قرب السيل، ويعرف الماء قبل أن يعرف الإسفلت، ويعرف الوجوه قبل أن يعرف العمارات؟
هذا السؤال هو روح الكتاب. فالعدوان لا يكتب عن عمان من فوق، من شرفة الدولة والمؤسسات والخرائط الرسمية، بل من تحت، من التراب، من الينابيع، من الدروب، من القرى التي ظلت طويلا تمنح المدينة دمها ثم تقف في الظل. وفي هذا المعنى، يصبح الكتاب أكثر من بحث في تاريخ محلي. إنه محاولة لإنصاف الذاكرة الصغيرة التي غالبا ما تدهسها المدن حين تكبر بسرعة.
المدينة التي كانت ديرة:
أكثر ما يدهش القارئ في الكتاب هو أن عمان لا تظهر كمدينة مكتملة منذ البداية، بل كديرة مفتوحة على البشر والماء والرحيل. كانت أقرب إلى فكرة منها إلى عاصمة، وإلى حضن دافئ للحجر والبشر منها إلى مركز سياسي. كان الناس يجيئون إليها لأن فيها ماء، وبيادر، ولقاء، وموسما للحياة. وحين يستخدم المؤلف كلمة الديرة، فإنه لا يستعملها كلفظة تراثية، بل ككلمة عميقة تصف علاقة الإنسان بالمكان حين لا يكون المكان ملكية فقط، بل ذاكرة واطمئنانا ورائحة خبز ونداء أمهات.
لذلك ينجح الكتاب في أن يجعل القارئ يرى عمان بعين أخرى. ديرة غير المدينة تلك التي نعرفها اليوم، المزدحمة، المتوترة، المسرعة، بل كائن كان يتشكل ببطء حول السيل، وحول العرف، وحول الحاجة إلى العيش المشترك. كان الناس يختلفون ويتجاورون، يأتون ويرحلون، يزرعون ويسقون، يتنازعون أحيانا ويتصالحون أحيانا، لكنهم في النهاية كانوا ينسجون شيئا أكبر من أنفسهم: ذاكرة مدينة.
القرى ليست هامشا:
تكمن قوة كتاب «عمان القرى» في أنه يقلب المعادلة. فقد اعتدنا أن ننظر إلى القرى بوصفها أطرافا تابعة للعاصمة، كأن المدينة هي الأصل وما حولها مجرد امتداد. لكن الكتاب يقول عكس ذلك تقريبا. القرى ليست هوامش عمان، بل بداياتها المؤسسة. الجيزة، حسبان، صويلح، القسطل، ياجوز، واليادودة، ليست أسماء هوامش على أطراف الخريطة، بل أبواب لفهم الروح التي صنعت المكان.
في فصل الجيزة مثلا، لا تبدو زيزياء القديمة مجرد موضع أثري، بل ذاكرة كثيفة مرت بها القوافل، والحملات، والحجاج، والشعراء، والسكك، والعائلات. هنا لا تكون البركة حجرا وماء فقط، بل أثر عطش طويل ورجال سقوا او شربوا. والقلعة كذلك القلعة ليست مجرد بناء قديم، بل علامة خوف وحراسة وزمن. ومحطة القطار ليست تفصيلا تقنيا في تاريخ المواصلات، بل لحظة دخول لعمان في شبكة أوسع من الحركة والانتظار والوداع.
أما حسبان، فتظهر كأنها مكان يحمل في اسمه طبقات من الدين واللغة والحضارات. الاسم نفسه يتكلم. الحجارة تتكلم. والتل يصير شاهدا على حياة تعاقبت ثم مضت، تاركة وراءها ما يكفي لكي نعرف أن الأرض لا تنسى بسهولة، لكن البشر يفعلون.
جمال الحكاية وخطرها:
يمتلك العدوان قدرة واضحة على تحويل المادة التاريخية إلى حكاية. وهذه ميزة نادرة. فهو لا يترك القارئ وحيدا أمام الأسماء والمراجع، بل يقوده بنبرة قريبة، أحيانا شاعرية، أحيانا وجدانية، كأنه يقول له: لا تقرأ هذا المكان بعينيك فقط، بل بقلبك أيضا. ولهذا يظل الكتاب حيا، دافئا، قابلا للقراءة خارج الدوائر المتخصصة، بكثير من الصدق والشجن النبيل.
لكن الحكاية، حين تكون جميلة، قد تخفي أحيانا أسئلة صعبة. فالذاكرة ليست بريئة. فالناس حين يروون تاريخهم لا يروونه كما حدث بالضرورة، بل كما يريدون أن يتذكروه، وكما يحتاجون أن يظهروا أمام أنفسهم وأمام الآخرين. لذلك كان الكتاب يحتاج في بعض المواضع إلى مسافة نقدية أكثر صرامة، خصوصا عندما يعتمد على الرواية الشفوية أو على سرديات العائلات والعشائر. فالإنصات إلى الناس فضيلة، لكن مساءلة ما يقولونه ضرورة أيضا.
وهذا لاينقص تقديرنا للكتاب ولا نقلل منه، بل نطلب منه أن يذهب أبعد. فكل ذاكرة تحمل نورا وظلا. وإذا كان من حق القرى أن تستعيد أسماءها، فمن حق القارئ أيضا أن يعرف ما الذي حذفته الذاكرة، ومن الذي غاب من الرواية، ومن الذي دفع ثمن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية
