محطة القطار.. من أوراق مدينة الزرقاء

ناصر الريماوي

البداية 1995

أخيراً، مات الرجل التسعينيّ المُعمَّر. مات غير بعيد عن فورة الضجيج المتصاعد في شارع «السعادة» والوسَط التجاري، وصخَبِ الحافلات التي تزأر وهي تنهب الطرقات الهادئة في أحياء «الزرقاء» الحديثة. عثروا عليه ذات مساء خريفي على جانب الطريق السريع «أوتوستراد الزرقاء» بعد أن صدمته مركبة عابرة. وجدوه متشبثاً براياته الثلاث: الحمراء، والخضراء، والبيضاء.

مات محافظاً على عادتيه: تقليصُه المُحيِّر لفورة الصخب المتصاعد، وتعثُّرُنا بزِيِّه المُتأنَّق – رغم تجاوزه التسعين وربما المائة من عمره – كلما التقيناه.

لا نعرف له اسماً، فقط تجذبنا هالةُ السكون الوارفة وهو يطلقها من يديه لتغمرنا، فنُصْغي إليه وهو يبوح بصوته الجهوري ويحكي عن قطارات لم تصل إلى محطتها الأخيرة، وأخرى لم تأتِ بعدُ، يواظب على انتظارها، وعن محطة قطار لم نرها كانت هنا، وعن هذه «الزرقاء» حين كانت خالية وقاحلة، وكيف أنها امتلأت بالناس حتى فاضت بهم، لتغدو كأي مدينة أخرى، حقيقية، وحديثة.

قبل أن ينفرد ببعض مستمعيه ويسأل في حيرة وارتباك: «هل هذا حقيقي؟ أم أنني ما زلت محموماً وأهذي؟». ثم يصفر ويُموِّج برأسه قبل أن يدخل في غيبوبته الصوفية الغريبة ويبتعد.

نُشفِق عليه، وهو يسترد هالة السكون، لنغرق في فورة الضجيج ونعبر منها نحو شوارع المدينة المكتظة، مرّة أخرى.

لم نعرف له اسماً؛ دعاه البعض «الحوراني» نسبة إلى حوران، وآخرون «الحويطي» نسبة إلى جبال الحويطات في أقصى الجنوب. زعموا أنه يقطن بيتاً صغيراً من حجارة سوداء بازلتية على جانب السكة الحديد عند تَلَّة «جبل طارق» السكنية ومدخل «الزرقاء» الجنوبي.

بحثت عن مبنى المحطة، فلم أجد له أثراً. قيل إنه أُزيل لأسباب تنظيمية.

في ملفات المدينة، وبعض دفاتر «السالنامة»، وسجلات نظارة النافعة العثمانية، عثرتُ على أوراق قليلة تحكي عن محطة «الزرقاء» لخط الحجاز الحديدي. بعضها وثائقي يؤرخ لتلك الحقبة، وبعضها شعبي يروي – بشيء من التحفُّظ – حكايا الآخرين من خرافات وأساطير مأثورة تداولها الناس حول مبنى المحطة وبعض العاملين فيها.

الورقة الأولى: «النوبتجي» ونشأة المحطة

مسحة شاحبة خلَّفها ذلك الصباح الخريفي البعيد في فضاء الصحاري الشاسعة المُلتفَّة حول أكوام الحجارة وقضبان الحديد المتناثرة، وبعض المباني المشيَّدة جزئياً، رغم هدير النهر المجاور لها.

صبي لم يتجاوز الثالثة عشرة كان أول من ترجَّل عن ظهر دابة طاعنة، لفظَتْه هناك قبل أن تواصل سيرها المتمهِّل وتلحق بالقافلة المتجهة جنوباً.

«مصعب» –بسحنته السمراء ونظراته الشاردة– توقف أمام الهياكل البازلتية.

 رفع رأسه فرأى على مرمى بصره صحراء قاحلة وفيافي مجدبة إلا من نبات الأثل وبعض الأشجار الضامرة، ونهراً قريباً توارى خلف تلة منخفضة، مفسحاً لخريره أن ينوب عنه، وقلعة قديمة تتربع على امتداد أفق غير بعيد جهة الغرب، يرفرف فوق برجها علم عثماني.

قيل له إنها تُسمى قلعة «شبيب»، وإن الجندرمة العثمانية قد اتخذتها مقرّاً لها، منذ زمن طويل.

لم يُطِل النظرَ في البناء البازلتي للمحطة، ولا في سقفها الخشبي، ولا في برج الماء، حتى إنه مرَّ ببصره سريعاً على قاعة المسافرخانة، بتلك المقاعد الحجرية ومخزن الفحم، ولم يأبه لشيء. لكن بصره ظلَّ معلَّقاً في الصحاري المجدبة وحفيفها الترابي الموحش من حوله.

في مكتب «ناظر» المحطة أمين المحطة، شرح له «التركي»: نوبتجي على الحجارة وأكوام الرمل وقضبان السكة المتناثرة، ثم إشعال الفوانيس في المساء، وطرد الكلاب.

 أشار إلى «براكية» صغيرة وقال باقتضاب وحزم: «قرشان في اليوم وفراش من خيش».

الورقة الثانية: الناقة الخرساء

عشق النوبتجي «مصعب» رمل المكان، لكنه تمنَّى لو أنه ينبت بشراً ذات يوم، بدل هذا العوسج الكثيف وهذا الغبار، أناساً غير «ناظر» المحطة وهؤلاء العاملين.

تناهى إلى سمع «مصعب» ذات يوم: «أن الجمالَ – تحديداً – قد أكلها الحسد، فهي مخلوقات من نار، ويصفها البدو بالحقد والضغينة». وبأن هذا القطار الحديدي الطارئ سوف يلتهم الصحاري المترامية، والتي كانت ملكاً لها وللخيل منذ بدء الخليقة.

«حديد يمشي بالنار من دمشق إلى الحجاز، بلا جمال ولا خيل.»

نام ليلته وهو يهذي بهذه العبارة.

في ليلة مقمرة، سمع خطوات ثقيلة خارج «البراكية». خرج فلم يرَ شيئاً، لكن الأثر الباقي ظلَّ هناك ليدلَّ على حافر غائر في التراب، عميق، بلا خطوات حوله. تكرَّر الأثر بذلك الحافر الغريب ليالٍ عديدة.

ذات مرة، رأى ناقة سوداء فاحمة، ساكنة، تغرز قوائمها في قضبان السكة الأولى، وعيناها تعكسان ضوء القمر. تقدَّم نحوها فتراجعت دون أن ترفع قوائمها.

مشى خلفها ثم مدَّ يده نحو الأثر، والتقط حصاة سوداء، أودعها جيبه ونام فوق خيش «البراكية» نوماً عميقاً.

عند الفجر، كان «ناظر» المحطة التركي يصيح بالعاملين وهو يفرِّق بينهم. استشاط وهو يرى «مصعب» ممدَّداً على قضبان السكة، يقبض على حصاة ويهذي باسم الناقة السوداء ويقول: «حتوف... لعلها تبحث عن رفيق مثلي».

أنزل كفَّه على جبين الصبي، ثم رفعها وهمس لمن حوله: «حُمَّى لعينة!»

الورقة الثالثة: غرفة الذنوب.. «المسافرخانة».

في القاعة الحجرية الواسعة لاستراحة المسافرين الركاب ومبيتهم، كان «الناظر» يرى كل صباح أسماءً عربية عديدة، خطَّت بعشوائية على جدرانها الحجرية، خطَّها مجهول بفحم المواقد.

استهجن الأمر وراح يوبِّخ النوبتجي «مصعب» على إهماله الحراسة.

«من تراه يجيد الكتابة بيننا، وبالعربية؟ وما غايته؟»، هذا ما كان يجول في خاطر «الناظر» ويبوح به لمعاونه.

ذلك المساء، نام «مصعب» وسط القاعة «المسافرخانة» مُكرَهاً. رأى شبحاً شديد السواد بعينين كثقبي بئر يكتب بقلم لا يُرى. همس له:.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور الأردنية

منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ ساعة
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 11 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 15 ساعة
خبرني منذ 11 ساعة
قناة المملكة منذ 49 دقيقة
جو ٢٤ منذ 10 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 21 ساعة
قناة رؤيا منذ 16 ساعة
خبرني منذ 13 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 15 ساعة