ضغوط النظم والتحرّر من القياس: نظرةٌ جديدة في لغةِ المتنبي

إبراهيم خليل

عُرفَ المتنبي بجزالة اللفظ، ومتانة الشعر. وأعترف له المتقدمون، والمحدثون- على السواء - بهذا القدر، أو ذاك، من المعرفة بدقائق اللغة، وأسرارها التي تخفى على غير المتخصِّص، وقد اغترَّ بهذه المعرفة مثلما اغترَّ بشعره، فكانَ يردّدُ القوْل:

وما الدهرُ إلا من رواةِ قصائدي        

إذا قلتُ شعرًا أصبحَ الدَهْرُ مُنْشدا

وخاطب المتلقي قائلا في سيف الدولة الحَمْداني :

لا تطلبنّ كريمــــًا بعـــــد رؤيتـهِ        

إن الكــرام بأسخاهم يَـــــدًا خُتمـــوا

ولا تريدنّ شعرًا غيرَ شاعــرهِ        

قد أُفسِدَ القوْلُ حتى أُحْمِدَ الصَمَمُ

وقال في موْضع آخر يصف شعره، ويشبّهه بالحدائق النَضِرَة، والرياض العَطِرة، التي سُقيت من ذكائه، وعقله، سَقْيًا أينَ منه سَقْيُ الدِيمة المُمطرة، والغيمةِ السَكوب:

حملتُ إليهِ من لساني حديقة ً        

سقاها الحِجى سَقيَ الرياضِ السحائبِ

وخاطبَ ممدوحَهُ فخورًا بشعره، مُدِلّا بنظمِهِ، وبما لحبّهِ الممدوحَ، وإعجابهِ به، من فَضْلٍ، و تأثيرً في هذا الشعر من حيث القوّةُ، ومتانةُ النَسْج، وجزالة اللفظ، وغزارة العطاء، قائلا:

وما أنا وَحْدي قُلتُ ذا الشِعْرَ كلَّهُ    

ولكنْ لشِعْري فيكَ مِنْ شِعْرهِ شِعْرُ

وعُرف المتنبي بالمبالغة التي ترقى إلى حَدٍ غير مقبول، ولا معقول، فهو في بيتٍ يصفُ نحوله من أثر العشق، وأوجاعه، فلو وُضع في شِقِّ قَلَم من الأقلام، لما أُثّـر، لنُحوله، وهُزاله، في خطّ الكاتب بذلك القلم:

فلو قلمٌ أُلقيْتُ في شِقّ رأسِهِ        

من السُقْم ، ما غيَّرْتُ من خطّ ِ كاتبِ

ويقول في الإعجاب بنفسه في غًلوٍّ ما بعدَهُ غلوٌّ:

إنْ أكــُنْ معجبًا فعجبُ عجيبٍ        

لا يرى فوْق نفْسِه ِ من مزيد

ومع هذا، لا ينكر المعنيّون بشعره ما فيه من أغلاطٍ، تعمَّد، أو اضْطُرّ فيها للخروج على سُنَن العربية، إنْ كان الأمر في إملاء اللفظ، أم في التركيب، أم في المعاظَلَةِ واضطراب المنطق، وتداخُل الكلام بعضِهِ ببعْض، أم الازدواج في الإعراب، بما لا يستقيم إلا مع التأويل المفرط، أو همْز غير المهموز، وترك الهمْز فيما لا يترك همْزُهُ ، أوالتصرُّف ببعض الصيغ المتداولة على نحوٍ ثابتٍ لا تسامُحَ في العدول عنْهُ، لا حقيقةً، ولا مجازًا، وهذا كثير.

فالمتنبي يلجأ - في بعض الأحيان - إلى همز اللفظ غير المهْموز، وهو تغيير صوتي يؤدي في بعض الأمثلة لتغيير فونيمي phonemic change. فكلمةُ سِوى، وهي أداة يُستثنى ما بعدها من حُكْم ما قبلها، كقولنا حَضَرَ القوم سوى عليّ، نفيْنا حضور علي، وأثبتناهُ لمنْ ُذكر قبلها القوم همَزَها المتنبي، ووصل بها الضمير في قوله:

ما الخِلّ إلا مَنْ أُوَدُّ بقلبهِ        

وأُرى بِطرفٍ لا  يَرى بسوائِهِ

والطبيعي أنْ يقول بسواه؛ لأنّ سواءَ في المعنى لا تقوم مقام سوى. فهي للتسوية، لا للاستثناء، والسويّ هو السليم الذي لا يشكو علةً، أو شبه علة. قال تعالى: [آيتك ألا تكلم الناس ثلاثَ ليالٍ سويّا] مريم: 10 أمّا الذي عناهُ الشاعر في البيت، فهو الاسْتثناءُ. وفي مَوْضِع آخر همَزَ لفظة الزنى، جاعلا المقصور فيها ممدودًا. وهذا أيضا غير مُطَّرد:

وتُنكِـرُ موْتَهمْ، وأنا سُهيلٌ        

طلَعْتُ بموتِ أوْلادِ الزناءِ

يريد الشاعر أنَّه يشبهُ نجمَ سهيل فهو نذيرُ موت على وفق المعتقدات لدى العرب قديمًا، وهذا ما وردت الإشارة إليه في قول مالك بن الريب، وهو يحتضر في خراسان:

أقول لأصْحابي: أرفعوني، فإنني        

يقرّ لعيني أنْ سُهَيْلٌ بـدا ليا

بمعنى أنه أيقن من الوفاة ما دام قد بدا له هذا النجم سُهيْل فكأن المتنبي بوجوده كطلوع سُهَيْل نذيرٌ بموت أولاد الزنى، الذين ورَدَتْ الإشارة لهم في صدر البيت، وفيما قبله من أبيات. أي: منافسوه، وحسّاده. وقد همز الشاعرالزنى مضطرًا لاستقامة النظم، واتساق الوزن، والرويّ مع الإرداف. وفي مواضع أخرى ترك الهمز جاعلا المهْموزَ مَقصورًا، كقوله:

ولكنْ نفاها عنه غيرَ كريمة ٍ    

كريمُ الثنا، ما سُبَّ قطّ، ولا سَبّا

فكان الأولى به أن يقول: كريمُ الثناءِ، إلا أنَّ هذه الهمزة تجذبُ الصائت القصير فتزيد التفعيلة مقطعا قصيرًا واحدًا، مما اضطرَّه لترك الهمزة، فقَصَرَهُ. ومن الأغلاط التي وقع فيها بإسقاط الهمزة، ما كان في أول الثلاثي المهْموز، فأتى بفعل جديد من المَطَر، وهو مَطَرَتْ لا أمْطَرَتْ. وهذا مستشنعٌ، مُسْتهْجَنٌ، فهو كمن يقول من أقبل: قَبَلَتْ، لا أقبلت، ومن أكرم: كـرَمَتْ، لا أكرمَتْ، ومن أكل: كَلَت،لا أكلت:

أظْمَتْنيَ الدنيا، فلمّا جئتُها        

مُسْتسْقِيًا، مَطَرَتْ عليَّ مَصائبا

وأسْقط في البيت همزة أظمَأَتْنيَ، لأن الثلاثي منه ظَمِئَ، من باب فَرِحَفَعِلَ، والمَصْدر ظمأ. وزاد الهمزة في أوله للتعْدِيَة، وهذا لا اعتراض عليه، بيد أنّ الضرورة التي يوجبها اتساق النظم حَمَلتْهُ على إسقاط الهمزة، وهي لامُ الفِعْل، وهذا غير مَقيس، ولا مسموع، إنما الشائع حذفها عند الوقوفكيف يشكو من الظما. وهو إلى الشذوذ أنْسَب، وإلى الخطأ أقرب. وفي هذه الظاهرة نجدُه يُسْرف إسرافا، ولا يقْتَصِد في ذلك اقْتصادًا، فبدلا من أنْ يجعل الهمزة ياءً، مثلما هي الحالُ في بداية التي أصلها بِداءَة وكفاية التي أصلها كفاءَة يجعل الياءَ همزةً، في إجراءٍ عكسيٍّ غير مُستَحْسَن. يقول:

وعُجاجةٍ، تركَ الحديدَ سوادُها        

زَنِجًــا تبسَّمَ، أو قذالا شائبا

فالأدقُّ، وعلى وَفْق القاعدة، أن يقال: شايبا. وما منعه عن هذا هو التزام الهمزة قبل الروي على قاعدة التأسيس في القوافي: ذائبا، ومَصائبا، وغائبا. فالمتّفق عليْه - سماعًا وقياسًا -  شايبًا، لا شائبا. وثمة نوعٌ آخرُ من ضرائر الشعر دُفِعَ إليه أبو الطيب دفعا بسبب ضغوط النَظْم على سليقَتِهِ، مع سلامة الوزن وتفعيلاتِه ِ:

لو لمْ.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور الأردنية

منذ 5 ساعات
منذ 12 ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 11 ساعة
قناة رؤيا منذ 21 ساعة
قناة رؤيا منذ 11 ساعة
خبرني منذ 13 ساعة
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 22 ساعة
جو ٢٤ منذ 7 ساعات
خبرني منذ 10 ساعات
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 6 ساعات
خبرني منذ 8 ساعات