يوم الاثنين الذي لم يغادر ذاكرتي

لم يكن الخامس من حزيران 1967 يوماً عابراً في الروزنامة، بل كان اليوم الذي انكسر فيه صوت المذياع، وسقطت فيه الوعود الكبيرة أمام عيني طفل في الحادية عشرة من عمره. يسميه كثيرون "النكسة ، أما أنا فأراه نكبة كاملة؛ لأن ما حدث فيه لم يكن هزيمة عسكرية فقط، بل اقتلاعاً من المكان، وجرحاً في الذاكرة، وانكساراً مبكراً في وعي طفل كان يظن أن النصر أقرب من الغروب. كنت يومها أعيش في أريحا؛ مدينة الدفء والبرتقال والنخيل، المدينة التي لا تشبه سواها. لم تكن أريحا بالنسبة لنا محطة عابرة، بل بيتاً أحبّه والدي وتمسك به. فبعد خروجه من الخدمة العسكرية عام 1966 لم يرغب في مغادرة تلك المنطقة أو العودة نهائياً إلى الكرك، بل أراد أن يكمل حياته هناك، في تلك المدينة الوادعة التي تجمع بين دفء الشتاء وسحر الوادي وقرب القدس. كنا نقضي الشتاء في أريحا، وفي الصيف نصعد إلى القدس، إلى منطقة العيزاىيه من ضواحي مدينه القدس حيث الهواء ألطف والمدينة أقرب إلى القلب. كانت حياتنا موزعة بين أريحا والقدس، بين البرتقال والحجر العتيق، بين دفء الغور وروح المدينة المقدسة. ولم يكن يخطر في بال طفل مثلي أن هذه الجغرافيا الحميمة يمكن أن تتحول في يوم واحد إلى ذاكرة موجعة. في تلك الأيام كانت المنطقة كلها تعيش على وقع الحماسة والتعبئة. كنا نستمع إلى إذاعة القاهرة وخطب الرئيس جمال عبد الناصر. كان الراديو نافذتنا الوحيدة على العالم، وكان صوته يملأ البيوت بالأغاني الوطنية والبيانات العسكرية والوعود بالنصر. أسماء مثل "الشاهر و القاهر كانت تتردد في الأسماع، لا كأسماء صواريخ فقط، بل كرموز لقوة عربية خيالية في عقل طفل صغير. كنت أصدق كل شيء. لم أكن أفهم موازين القوى ولا معنى التفوق الجوي ولا الحسابات الدولية. كنت طفلاً يحلم كما يحلم الأطفال. كنت أظن أن الحرب ستنتهي سريعاً، وأننا سنستعيد يافا وحيفا، وأن إسرائيل، كما قيل لنا، دولة هشة لا تستطيع الصمود أمام قوة العرب. ثم جاء يوم الاثنين. لا أعرف لماذا بقي هذا اليوم محفوراً في داخلي بهذا الوضوح. أذكر الشمس، وأذكر الغبار، وأذكر وجوه الناس، وأذكر والدتي رحمها الله وهي تحاول أن تخفي قلقها عنا. في أريحا لم تكن هناك ملاجئ حقيقية. كان الناس يلوذون بما يجدونه أمامهم. وأذكر أننا كنا نذهب إلى منطقة تحت الأشجار، كأن ظل الشجر يمكن أن يحمي الأطفال من الطائرات. كان والدي في تلك الأيام يعمل في المملكة العربية السعودية مستشاراً في شركة مارتن كولي، فلم يكن معنا في لحظة الخوف الكبرى. أما جدي فقد جاء من الكرك ليأخذنا وينقذ العائلة من الفوضى التي بدأت تبتلع المكان. كنا خمسة أطفال مع والدتي، وكنت أكبرهم. معي إخوتي وأخواتي الصغار، بعضهم كان لا يزال بحاجة إلى أن يُحمل بين الذراعين. وكانت والدتي، وهي امرأة شابة، تواجه وحدها حرباً ونزوحاً وخوفاً على أطفالها في وقت واحد. خرجنا من أريحا باتجاه جسر.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ ساعة
خبرني منذ 6 ساعات
خبرني منذ 4 ساعات
قناة المملكة منذ 4 ساعات
صحيفة الدستور الأردنية منذ ساعتين
خبرني منذ 9 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 23 ساعة
قناة المملكة منذ 9 ساعات