جماهير الخليج جيلاً بعد جيل

هي صادقة في مشاعرها، عاشقة لناديها، وما زالت على ذلك العهد منذ أيام ملاعب الأسفلت..

كلما رأيتها، عادت بي الذاكرة إلى تلك السنوات الجميلة، حين كنا نحضر التمارين في زمن درواز وشوبيرة وغيرهم من المدربين الذين مروا على كرة اليد الخلجاوية. ولم تكن تلك الأيام جميلة فقط بما شهدته داخل الملعب، بل بما كانت تزخر به المدرجات من جماهير صنعت حضورا استثنائيا لا يزال عالقا في الذاكرة.

أتحدث هنا عن جيل الثمانينيات، ذلك الجيل الذي لم يكن مجرد جمهور يحضر المباريات، بل كان جمهورا عاشقا للعبة، مثقفا في تفاصيلها، يدرك خفاياها الفنية، ويحلل أحداثها، ويناقش أخطاء التحكيم بكل وعي ومعرفة. كانوا جزءا من المشهد، كما كان اللاعبون والإداريون جزءا منه، وهذا ما أكده نجم النادي الأهلي السعودي والمنتخب، سمير عبدالله، في أكثر من لقاء.

ذلك الجيل الذي ملأ المدرجات بالأهازيج الخالدة، فكانت الحناجر تصدح: يا سيهات قومي طلي شوفي الفرح والناس ، و سيهات عزك عزنا ، وهي تقف خلف الجيل الذهبي لكرة اليد الخلجاوية. جيل صنع الإنجازات وكتب صفحات لا تزال محفورة في الذاكرة.

ومن بين تلك الأهازيج بقيت كلمات شاعر المدرج الخلجاوي الراحل، حبيب حميدي، رحمه الله، حاضرة في الوجدان، عندما كانت الجماهير تردد: يا سفينة دارت أبنـا . كلمات خرجت من القلب فوصلت إلى القلوب، وكانت تعبر عما يشعر به كل خلجاوي تجاه ناديه وعشقه الأزلي.

ولم يكن عشق ذلك الجيل يتوقف عند حدود المدرج أو صالة المباراة. فكم من رحلة قطعت برا لمسافات طويلة من أجل الخليج، وكم من سيارة انطلقت من سيهات نحو جدة، والقصيم، والرياض لمؤازرة الفريق في زمن كانت فيه الطرق أطول والإمكانات أقل.

وما زلت أتذكر زميلي الراحل، نعيم هويدي، رحمه الله، والجار والحبيب سامي شويخات، ومعهما الأب الروحي لجماهير الخليج، الراحل هارون طريش، رحمه الله. ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد مشجع أو مرافق للجماهير، بل كان أبا لهم بكل ما تحمله الكلمة من معنى. يحتضنهم في سفرهم، ويتنقل بهم من مطعم إلى مطعم، ويحرص على راحتهم وسلامتهم، ويتابع تفاصيلهم الصغيرة قبل الكبيرة، حتى أصبح في نظر الجميع الأب، والإداري، والرفيق في آن واحد.

كانت تلك الرحلات مدرسة في الوفاء قبل أن تكون رحلات تشجيع، وكانت تجمع القلوب حول الخليج كما تجمع السيارات على الطريق. لذلك، لم يكن مستغربا أن يبقى ذلك الحب حيا حتى اليوم، وأن تنتقل الراية من أولئك الرجال إلى جيل جديد يحمل الشغف ذاته والعشق ذاته.

واليوم، وبعد مرور السنوات، لم تتوقف الحكاية عند ذلك الجيل، بل استمرت الراية تنتقل من الآباء إلى الأبناء والأحفاد، ومن جيل إلى جيل. وها هو الجيل الحالي يقف خلف الجيل الماسي لكرة اليد، ومدربه المتميز ديميتريس، مرددا: والسفينة تشيل جيلا بعد جيل ، وهي الكلمات التي خطها ابن شقيق الراحل حبيب حميدي، وكأنها امتداد طبيعـي لذلك الإرث الجميل، ورسالة تؤكد أن عشق الخليج لا يموت، بل يتوارثه الأبناء كما يتوارثون الذكريات.

وإذا كان نعيم هويدي، وسامي شويخات، وهارون طريش، والمدرب القدير خالد المرزوق، ورفاقهم قد قطعوا الطرق إلى جدة، والقصيم، والرياض بالأمس، فإن أبناء اليوم يشكلون أسطولا بريا يتجه إلى دولة الكويت الشقيقة لمساندة ممثل الوطن. اختلفت الوجهات، وتبدلت الأسماء، لكن بقي العشق واحدًا، والراية ذاتها التي يحملها جيل ويسلمها إلى جيل آخر.

فالأهازيج تغيرت، والوجوه تبدلت، لكن الوفاء بقي كما هو، والمدرج الخلجاوي لا زال يروي الحكاية ذاتها.. حكاية عشق لا تنتهي.

واليوم، تعلن الجماهير بداية رحلة جديدة، وتسير كأسطول بري من السيارات متجهة إلى دولة الكويت الشقيقة، حماها الله، لمساندة ممثل الوطن وعشقها الأبدي، نادي الخليج. رحلة لا تقودها الطرقات فقط، بل تقودها المحبة والانتماء؛ فهناك فرق بين من يشجع فريقا، ومن يعيش معه تفاصيل عمر كامل.

هل عرفتم من أتحدث عنه؟ إنني أتحدث عن المشجع الخلجاوي الذي لم يبتعد يوما عن كرة اليد الخلجاوية، من أيام ملاعب الأسفلت، إلى الصالة الرياضية، ثم إلى الصالات الحديثة. ذلك المشجع الذي بقي وفيا في الانتصارات، وصابرا في التحديات، وحاضرا كلما ناداه الخليج.

هكذا هو الخليج، وهكذا هي جماهيره، أوفياء جيل بعد جيل، يحملون الراية ويسلمونها لمن بعدهم، ويبقى العشق كما هو، لا يتغير.

كل الأمنيات لممثل الوطن بالتوفيق، وأن يواصل كتابة فصول المجد، وجماهيره خلفه كما كانت دائمًا.. سندا لا ينكسر، ووفاءً لا ينتهي.


هذا المحتوى مقدم من خليج الديرة

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من خليج الديرة

منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
صحيفة سبق منذ 18 ساعة
صحيفة الوطن السعودية منذ 17 ساعة
صحيفة عاجل منذ 18 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 6 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 12 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 7 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 8 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 5 ساعات