في العقود الأخيرة، شهدت المؤسسات توسعًا ملحوظًا في الوظائف الداعمة للأعمال، بدءًا من الحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال، وصولًا إلى التحول المؤسسي والاستدامة والابتكار وبناء الثقافة التنظيمية. وقد لعبت هذه الوظائف دورًا مهمًا في تعزيز الانضباط المؤسسي وتحسين جودة القرار والحد من المخاطر. غير أن هذا التوسع أفرز تحديًا إداريًا جديدًا يتمثل في ما يعرف بـ التعقيد التنظيمي (Organizational Complexity)، وهو الحالة التي تتزايد فيها الأنشطة والإجراءات والتفاعلات الداخلية إلى درجة تستهلك قدرًا متناميًا من الوقت والموارد والطاقة المؤسسية دون أن يقابلها أثر متناسب على الأداء أو القيمة المقدمة للعملاء.
في بيئات العمل الحديثة، لم تعد التحديات مرتبطة فقط بكفاءة العمليات أو جودة الخدمات، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بقدرة المؤسسة على إدارة حجم متزايد من المتطلبات الداخلية. فالموظفون يقضون جزءًا متناميًا من وقتهم في الاجتماعات، والتقارير، والاستبيانات، وبرامج التوعية، والمبادرات المؤسسية، ومتطلبات التنسيق بين الإدارات المختلفة. ورغم أهمية كل نشاط على حدة، فإن تراكم هذه الأنشطة قد يؤدي إلى تراجع التركيز على الأعمال الجوهرية التي تحقق القيمة الفعلية.
هذه الظاهرة ليست مجرد ملاحظة إدارية، بل أصبحت محورًا متكررًا في أدبيات الإدارة الحديثة. فقد حذرت شركة ماكنزي من أن التعقيد التنظيمي يصبح مشكلة عندما تستهلك الأنشطة والتفاعلات الداخلية الوقت والموارد دون أن تضيف قيمة حقيقية للأعمال أو العملاء. وترى ماكنزي أن المؤسسات غالبًا ما تنجرف تدريجيًا نحو مستويات من التعقيد تجعل جزءًا متزايدًا من طاقتها يُستهلك في التنسيق والإجراءات الداخلية بدلًا من خلق القيمة. كما تشير أبحاث Bain Company إلى أن المؤسسات قد تفقد أكثر من 20 % من طاقتها الإنتاجية نتيجة الهياكل والإجراءات والعمليات التي تعيق الموظفين عن التركيز على أعمالهم الأساسية. وتظهر هذه الخسائر في صور مألوفة داخل المؤسسات؛ مثل كثرة الاجتماعات، والتقارير المتكررة، والمبادرات المتداخلة، والاستبيانات المستمرة، والأنشطة الداخلية التي تتنافس جميعها على وقت الموظف واهتمامه. أما Harvard Business Review فقد تناولت هذه الظاهرة من زاوية ما يُعرف بـ الاحتكاك البيروقراطي (Bureaucratic Drag)، مشيرة إلى أن البيروقراطية الحديثة لا تؤثر فقط على الإنتاجية، بل تُضعف أيضًا سرعة اتخاذ القرار، والمرونة التنظيمية، وقدرة المؤسسات على الاستجابة للتغيرات والابتكار الفعلي.
تكمن خطورة التعقيد التنظيمي في أنه غالبًا ما يتسلل إلى المؤسسة تحت عناوين إيجابية ومشروعة. فكل مبادرة قد تبدو مفيدة، وكل إجراء قد يكون مبررًا، وكل متطلب قد يستند إلى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة البلاد البحرينية
