لَا يَكَادُ كِتَابٌ مِنَ كُتُبِ الأَمْثَالِ العَرِبِيَّةِ المُتَقَدّمَة، وَلَا كُتُبِ النَّحْوِ يَخْلُو من قولهم: « أيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ!»، وَيُضَرَبُ المَثَلُ لِتَأْكِيدِ أَنَّ النَّقْصَ وَاقِعٌ فِي الرِّجَالِ كُلِّهِم، وَصِيغَ المَثَلُ عَلَى هَيْئَةِ سُؤَالٍ تَقْرِيرِيٍّ، يَحْمِلُ إجَابَتَهُ ضِمْنًا، وَمَعْنَاهُ: مَنْ هُوَ الرَّجُلُ (المُهَذَّبُ)، أيْ الكَامِل الّذِي لَا يَعْتَرِيهِ نَقْصٌ، وَلَا يَرْتَكِبُ خَطَأً! وَالجَوَابُ: لَا وُجُودَ لِهَذَا الرَّجُلِ بَيْنَ الرِّجَال.
وَتَذْكُرُ مُعْظَمُ كُتُبِ الأَمْثَالِ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَالَ بِالمَثَلِ هُوَ الشَّاعِرُ الجَاهِلِيُّ الشَّهِيرُ، النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ، في قّوْلِهِ:
وَلَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أَخًا لَا تَلُمُّهُ
عَلَى شَعَثٍ أيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ!
وَعُدَّ بَيْتُ النَّابِغَةِ هَذَا أحْكَمَ بَيْتٍ قَالَتْهُ العَرَبُ. وَهُوَ أيْضاً مِنَ الشَّوَاهِدِ النَّحْوِيَّةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي كُتُبِ النُّحَاة، عَنِ الاسْتِفْهَامِ بِنِيَّةِ النَّفْيِ.
قَالَ المُفَضَّلُ بنُ سلمة، في «الفاخر»: قَوْلُهُمْ: أيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ. قَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ الأَنْصَارِيّ: منْ لكَ يومًا بِأَخِيكَ كُلِّه؟
أيْ لَيْسَ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَيَبٌ، أوْ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ.
قِيلَ لِحَمَّادِ عَجْرَدَ: بِأيِّ شَيْءٍ فَضُلَ النابِغَةَ؟
فَقَالَ: لأنَّ النَّابِغَةَ إِنْ تَمَثَّلْتَ بِشيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ اكْتَفَيْتَ بِهِ، كَقَوْلِهِ:
«حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيْبَةً»...
بَلْ إِنْ تَمَثَّلْتَ بِنِصْفِ بَيْتٍ مِنْ شِعْرِهِ اكْتَفَيْتَ، كَقَوْلِهِ:
«وَلَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ للمَرْءِ مَذْهَبُ»
بَلْ إِنْ تَمَثَّلْتَ بِرُبع بَيْتٍ مِنْ شِعْرِهِ اكْتَفَيْتَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
أيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ... قَالَ سَلم بن قُتَيْبَةَ:
مِنَ الشّعْرِ أبْيَاتٌ يُسْتَغْنَى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
