في تاريخ الأمم مواضع تختارها السماء لمعنى أكبر من الأرض، فإذا هي ليست حدودا على خريطة، ولا مدنا بين الجبال والسهول، ولا أسماء تحفظها الكتب ويعلوها غبار الزمن؛ ومكة والمدينة من هذا السر العظيم موضعان أودع الله فيهما نور الرسالة، وجعل إليهما أفئدة الناس تهوي من كل فج، ثم شاء أن تكون هذه الديار حارسة العهد، وحاملة الأمانة، ودار الضيف الذي لا يأتي إلى ملك من ملوك الأرض لكنه يأتي إلى رب البيت.
من هنا يبدأ معنى المملكة في الحج، والذي يبدأ من شرف أقدم من كل مشروع، وأعمق من كل موسم، شرف الحرمين الشريفين حيث تصير الدولة في خدمة المعنى، ويبلغ الحكم ذروة مجده حين ينحني للعمل، ويسهر ليطمئن القادمون إلى الله، ويفتح الطريق لمن خرج من وطنه خفيفا من الدنيا مثقلا بالرجاء.
وقد نهض آل سعود ــ أيّدهم الله ــ بهذا الشرف كما ينهض المؤمن بالأمانة إذا عرف قدرها، فمنذ الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن -رحمه الله- كان توحيد المملكة فتحا للطريق واستقرارا للأمن وردا للسكينة إلى مواكب الحجيج، إذ جاء الحاج إلى هذه الأرض في زمن كانت الرحلة فيه امتحانا للقلب والجسد، فلما قامت الدولة صار الأمن أول خدمة، وصارت الطمأنينة أول بناء، وصار وصول الحاج إلى البيت آمنا شاهدا على أن الحكم حين يستقيم تستقيم معه الشعيرة.
كان الملك عبدالعزيز ينظر إلى الحرمين نظر الأمين إلى وديعة السماء، ومن ذلك النظر نشأت الدولة في معناها الأرفع، دولة تعرف أن مكة والمدينة ليستا موقعين في جغرافيا الحكم، هما روح الحكم، وميزان العهد، وموضع الشرف الذي تتجدد به شرعية الخدمة جيلا بعد جيل.
ثم جاء أبناؤه من بعده يحمل كل واحد منهم نصيبه من الأمانة، ويضيف إلى بنيانها ما يناسب زمانه ورؤيته، وتوسعت الرعاية وامتدت الطرق، ونمت الخدمات وارتفع شأن الحرمين في وجدان المسلمين، حتى جاء الملك فهد بن عبدالعزيز ــ رحمه الله ــ فارتبط اسمه بلقب خادم الحرمين الشريفين وصار اللقب معنى على قدر المكان، وراية تعلن أن أعظم مناصب الملك أن يكون خادما لبيت الله ومسجد رسوله الكريم.
ومضى الملك عبدالله بن عبدالعزيز في هذا الطريق؛ ففتح في خدمة الحرمين أبوابا واسعة، وترك في الذاكرة صورة الملك الذي أراد للساحات أن تكون أرحب، وللمسعى أن يكون أوسع، وللمدينة أن تكون أقرب إلى قلوب زائريها، وفي كل توسعة كان الإنسان حاضرا في قلب العمل، فالحاج لا يحتاج إلى بناء يراه بعينه فحسب، بقدر ما يحتاج إلى بناء يشعر به في جسده حين يخف الزحام، وفي قلبه حين يطمئن، وفي دعائه حين لا تقطعه مشقة فوق طاقة الإنسان.
وفي عهد مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ــ حفظه الله ــ، أخذت هذه الأمانة سمتا أكثر انتظاما واتساعا، فالملك سلمان يعرف التاريخ معرفة الأبناء الذين تربوا في ظل الدولة، ويعرف أن الحرمين جوهر الهوية السعودية، وموضع العهد الذي تتجدد به المملكة كل عام؛ ومن هذه المعرفة جاءت خدمة الحاج في صورة دولة كاملة بداخلها منظومة تتكامل فيها الجهود من الأمن إلى الصحة، ومن النقل إلى الإسكان، ومن البلديات إلى الإرشاد، ومن التقنية إلى أدق التفاصيل التي تجعل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
