ثمة أعمال أدبية تبدأ من فكرة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها كلما تقدّمت في القراءة أخذت تكشف طبقات أعمق مما توحي به بدايتها. و«دوائر النمل» لعلي عبيد الهاملي ينتمي إلى هذا النوع من الأعمال التي تُخفي أسئلتها الكبيرة خلف حكاية تبدو للوهلة الأولى شديدة البساطة: نملة تتحرك داخل عالمها، تواجه تحولات وتجارب واكتشافات. غير أن الحكاية، مع امتدادها، لا تبقى حكاية عن النمل بقدر ما تصبح حكاية عن الإنسان نفسه وهو يحاول أن يفهم العالم ومكانه فيه.
منذ العنوان، يضع الكاتب القارئ أمام تركيب دلالي غير عابر. فالدوائر ليست مجرد صورة شكلية؛ إنها إحدى أكثر الرموز التصاقاً بفكرة الحياة البشرية. نحن نعيش داخل دوائر: دوائر العادة، العمل، العلاقات، الذاكرة، والخوف، وحتى الأحلام. نغادر أشياء لنعود إليها بصور مختلفة، ونعتقد أننا قطعنا مسافات طويلة، بينما نكتشف أحياناً أننا عدنا إلى النقطة ذاتها. ولهذا يبدو عنوان «دوائر النمل» عنواناً يشتغل منذ اللحظة الأولى بوصفه مفتاحاً تأويلياً لا مجرد تسمية.
أما النملة، فقد اختارها الكاتب بعناية بوصفها كائناً يحمل حمولة رمزية كثيفة في الوعي الإنساني. فهي ليست رمزاً للقوة، ولا للبطولة الفردية، بل رمز للنظام والعمل والصبر والجماعة. لكن الهاملي لا يقدّمها وفق صورتها التقليدية بوصفها كائناً يعمل بصمت داخل منظومة مغلقة، بل يخرج بها من إطار الوظيفة الطبيعية إلى فضاء السؤال والوعي والشك. وهنا تبدأ النقلة الأساسية في النص: حين تتحول النملة من كائن يؤدي دوره إلى كائن يفكر في دوره.
هذه النقلة هي جوهر العمل كله؛ لأن الحكاية لا تتحرك في الحقيقة عبر الحدث الخارجي بقدر ما تتحرك عبر التحول الداخلي. فالنملة تبدأ من يقين واضح: العالم منظم، الطريق معروف، لكل شيء وظيفة محددة. لكنها مع اتساع التجربة تبدأ بمواجهة ما يربك.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة النهار الكويتية
